مشاهد في الذاكرة: المشهد السادس
أوراق في الماء (المشهد السادس)
بعنوان: للبيوت أسرار
مشهد هذا العدد قد يختلف عن المشاهد السابقة، وهو طويل إلى حد ما، وقد يتبادر إلى الذهن من شخصياته وأسلوب السرد والحوار، وتمحور الأحداث بين العقدة والحل، أنها من نسيج الخيال. والواقع أن حياتنا كلها لا تخلو من لوحات مستوحاة من الخيال، لذلك فإن روح هذا المشهد تمثل أحداثاً معاشة لا تخلو من بعض اللمسات التي أُضيفت أو غُضّ الطرف عنها لظروف تتعلق بضرورة طمس معالم أخطاء الكشف عن أسرار المهنة.
أذكر كما في السابق أن بطلي المشهد دائماً زوجان محترمان يتعاملان مع المؤسسة؛ الزوج يمارس التجارة بالجملة ونصف الجملة في مواد رائجة، وطبيعة هذه المواد تقتضي تحريكاً سريعاً لدورة رأس المال مع تعدد مصادر الإيراد والتوزيع، وهذا يقتضي بالضرورة تواجده الكثيف بالمصلحة. أما الزوجة فهي موظفة بالمقر المركزي لمؤسسة اقتصادية كبرى متواجدة بالعاصمة، مما يجعل تواجدها بالوكالة خلال أوقات أو أيام العمل شبه مستحيل. شخصياً لم يسبق لي شرف التعرف عليها، وإن حصل ذلك فلا أتذكره، بل إن صورتها في مخيلتي منعدمة. وعلى هذا، فزوجها هو الذي يقوم مقامها في تصريف جميع شؤونها في علاقاتها بالمؤسسة بمقتضى وكالة ممنوحة له في هذا الصدد، مما يتيح له أحياناً الاستعانة برصيدها لتحويل مبالغ مالية لإتمام مؤونة تغطية بعض حاجيات حسابه التجاري.
رزقهما الله بنتاً وولداً يتقاربان في العمر والمستوى الدراسي، يتابعان الدراسة في إحدى الثانويات الخصوصية.
في صباح يوم اثنين، بينما كنت منهمكاً في بعض شؤون العمل، توصلت بمكالمة من مجهول على هاتفي الخاص، فانطلق الحوار كالتالي:
ألو، السلام عليكم.
وعليكم السلام السي مصطفى، كيف الأحوال؟
الحمد لله، بارك الله فيك.
أنا فطومة (م).
نعم سيدتي، كاين شي ما نقضيوا؟
فهمتُ من ردي أنها لازالت نكرة لي، فكررت ذكر اسمها (صمتت لحظات ثم واصلت):
أنا فطومة (م) زوجة فلان الفلاني (س).
أهلاً مدام، كيف الحال؟ تشرفنا.
استأنفت بعد ذلك بالسؤال عن رصيدها، وحركة حسابها بين اليوم والجمعة الفارط، ثم عن حالة مديونيتها بين العقاري والاستهلاكي وإمكانيات تسديد القرضين، لتنتقل إلى فرضية رغبتها في نقل ملفها بالكامل إلى مدينة أخرى، ثم تكشف في النهاية عن غرضها من الاتصال حين تقول:
في الحقيقة السي مصطفى، علاقتي بـ (س) زوجي متدهورة هذه الأيام وقد نصل إلى الفراق، لذلك بغيت نستاشر معك؛ أنت عارف هو عندو وكالة التصرف في حسابي، وأعتقد خصني نلغي الوكالة... آش ظهر ليك؟
سامحيني سيدتي، هذا أمر يصعب علي إبداء رأيي فيه...
عمّ الصمت بيننا للحظات انتظرتُ من خلالها أن تنهي المكالمة، حيث لازال يصلني عبر التيار صفير أنفاسها القوية والمتوترة. ثم انتابتني حيرة وارتياب عن دافع هذه القطيعة المفاجئة، بل الخشية من أن يكون في الأمر استعمال بسوء نية قد تكون للمؤسسة مسؤولية فيه. وكأنها أدركت هواجسي، فسارعت إلى تبديدها قائلة:
صدقني السي مصطفى، لا شك عندي في نزاهته ولا في أمانته ولكن (تواصل كلامها مع نوع من التردد في الإفصاح عن السبب) مجرد سوء تفاهم ناتج عن تصرف لم يعجبني، وعن طبعه العصبي وأنانيته التي ترفض المناقشة.
في الحقيقة أختي مازال ما فهمتش، إلى ما كانش فضول مني، وإلى ما كانش السبب شخصي جداً، واش يمكن نعرف السبب؟
والو أسي مصطفى، خلاف على الشغالة ديال الدار؛ هاد الدريا عندنا منذ أكثر من عشر سنوات، هي من قبيلتي، جبتها بنت خمسة عشر عاماً تقريباً، هي اللي ربات الدراري. نهار الجمعة خرجت أنا للعمل كالعادة مع أذان الفجر، هو اللي وصلني لمحطة القطار. مع حوالي العاشرة اتصلت بيا من "التليبوتيك" كاتبكي وقالت: (بأنه جاء مع العشرة د الصباح للدار وهي في الشغل، وقال ليها تجمع حوايجها بسرعة، وخاد منها البورتابل وضربو مع الأرض هرسو، خدا منها السوارت وهزها في السيارة حتى لمحطة الطاكسيات، عطاها فلوس الشهر والمركوب ومشى)...
تتوقف لحظة وكأنها تستجمع قواها لتضيف أنها حاولت الاتصال به مراراً لمعرفة السبب وما جرى ولكن دون رد. لا أخفي أن رنة صوتها وطريقة سردها للواقعة جعلاني كذلك أشعر بأن عدم جوابه على هاتفها ضاعف شكوكها وارتيابها، وجعلها ترسم للحادث عدة سيناريوهات.
تصور السي مصطفى، من الجمعة في الليل حتى اليوم الأحد وأنا كنكرر السؤال لمعرفة السبب وهو يتهرب، بل يترك البيت لساعات طوال ليتجنب المواجهة معي. وفي النهاية اتصلت بأمي في البادية لعل الخادمة تكون قد زارتها وعرفت منها السبب، ثم أصريت أن نذهب سوية للعشاء عند أسرتي في البادية.
وتضيف أنها بعد وصولهم إلى دوار أهلها ورسو المقام، انتهزت فرصة انشغال الرجال في الخوض في حوار بينهم لتنسل عند أمها ليتجاذبا أطراف الحديث عن الواقعة باعتبار الخادمة من أقرباء أمها، حينها أخبرتها أمها أنه بعد اتصالها بها بالهاتف، استخبرت عنها لتعلم أنها فعلاً حضرت إلى بيت أسرتها هذا الصباح لكن لا أحد تحدث عن الطرد أو الخصام... وحذرتها أمها من إثارة الموضوع قبل تناول العشاء.
ثم تستطرد قائلة أنها بمجرد أن ذكرت اسمها بعد ذلك، استشاط غضباً وكاد يمد يده عليها لولا أن حال بينهما ابنهما، دون أن يعطي أي اعتبار لا لأمها ولا لأخويها ولا لأبنائهما، وانتهت السهرة بأن أقسمت هي بأغلظ الأيمان بأن لن تعود له زوجة، وباتت ليلتها في بيت أهلها وغادر هو رفقة ابنيه، وصبيحة اليوم التالي الإثنين اعتمدت على النقل العمومي للوصول إلى مقر عملها.
آش ظهر ليك السي مصطفى...
الحقيقة أنه استعصت علي النصيحة، وقد زاد يقيني بأن صدر الأخت قد ملأه الشك، وإن لم تفصح عما يخالجها علانية، ولكن ما وراء السطور يوضح ما لم يذكره اللسان...
أختي الكريمة، فهمتك وفهمتك بزاف، ولكن الأمر كيتطلب الصبر والعقل، يمكن داكشي اللي في راسك بعيد عن الواقع. نصيحتي خلي المؤسسة ديالنا بعيدة عن النزاع، حيث إخباره بفسخ الوكالة يمكن يخلق مشكل بينكما من لا مشكل، لذلك خللي الأمر ضيقاً داخل الأسرة على الأقل أسبوعاً أو يومين، ومن بعد نتواصلو.
أودي آش غادي نقول ليك.. واخا.
يالله، أنا ما سمعت والو، ما قلتي لي والو.
ضحكتْ ضحكة مسموعة فيها رنة ألم، وانتهت المكالمة.
ويوم الثلاثاء الموالي، اتصلت بي السيدة تقريباً في نفس توقيت أمس، ويبدو من نغمة صوتها أنها منشرحة:
ألو، السلام عليكم، الأخت فطومة.
عليكم السلام ورحمة الله، اليوم عرفتيني بسرعة!
إيوا آش من جديد؟ كانحس بيك فرحانة...
شوف السي مصطفى، اسمح لي نقول ليك موقعك ماشي في هاديك المؤسسة، أنت مختص نفساني، مصلح اجتماعي، المهم شي حاجة من هذا القبيل، كانشكرك بزاف.
الحمد لله، وقع الصلح بينكما؟
ردت بالإيجاب وواصلت بعد ابتسامة بأن الحكاية حكايات، ثم شرعت في سرد الأحداث من لحظة انتهاء مكالمتها معي إلى المساء؛ حيث إن هاتفها لم يتوقف عن الرن منذ قطعت الاتصال، وكانت تصر باستمرار على عدم الرد على مكالماته. وفي حوالي الساعة الرابعة، دخل عليها ولدها في مكتبها، وبعد معاتبتها عن عدم الرد على هاتف أبيه، أخبرها أنه برفقة أخته ينتظرانها بباب الإدارة، وهو مصرّ في حالة عدم الاستجابة لنداءاته أن يصعد إلى المكتب وقد يحرجها أمام جميع زملائها. وعندها تناول الابن هاتف أمه واتصل بأبيه، ثم منحها الهاتف وانصرف. وهكذا بدأ بالاعتذار عما سلف، ووعدها بتوضيح كل الأمور بمجرد العودة إلى المنزل.
توقفت لحظة لاسترجاع النفس ثم واصلت بأنها التحقت به فعلاً بعد انتهاء وقت العمل، وأصرت على الجلوس بالمقاعد الخلفية في حين أخذ ابنهما مكانها بالمقعد الأمامي. ساد صمت رهيب خلال فترة السفر التي دامت حوالي خمسة وأربعين دقيقة، وكانت تشعر بها الأطول على الرغم من اعتيادها على قطعها يومياً.
بعد وصولهم أمام البيت، ترجل الأولاد قاصدين البيت، في حين أخذ هو بيدها وولجا المتجر المواجه لمنزلهما. انتظر إلى أن فرغ صاحب المتجر، وتسلل في عمق المتجر ملوحاً إليها أن تتبعه. أعطاها كرسياً وجلست وهي منبهرة، لحق بهما التاجر، فبادره زوجها قائلاً:
السي الحسين عافاك، عاود ليها القصة.
حسب رواية التاجر، فإن هناك أشياء مريبة كانت تحدث عند غياب أفراد الأسرة بين الخادمة و (ح) ولد الحاج فلان (الحاج فلان هذا هو اسم معروف بالمدينة وهو ابن عمة زوجها السيد س وشريكه في التجارة). لاحظ التاجر مراراً وتكراراً دخول ابن الحاج إلى البيت ومكوثه لساعات، وواجب الجيرة والطعام حتّم عليه تنبيه السي (س) لمراقبة الأمر، شريطة تسوية المسألة دون إثارة أية ضجة قد تكون لها آثار سلبية على سمعة المحل التجاري نفسه.
وهكذا فهمت فطومة جزءاً من القصة، فودّعا التاجر السي الحسين وشكراه، ووعداه أن يستمر الأمر في طي الكتمان بينهم.
بعد العودة إلى البيت، انفردا بالطابق السفلي وهو قسم من البيت نادراً ما يلجه غيرهما، حيث أوضح لها الجزء الباقي من القصة.
وإن كان قد قرر الترصد لمراقبة صحة شكوك التاجر، فقد شغلته بعض المعاملات التجارية ليصل أمام البيت في وقت خروج الشاب (ح)؛ حيث لحق به ليسأله عن سبب تواجده بالمنزل، فأخبره بسرعة ودون وجل أنه كان يريد ولده فلان وأخبرته الخادمة أنه غير موجود فانصرف. لكن السيد (س) أفهَمَه أنه على علم بالقصة وقد جاء خصيصاً لضبطه متلبساً، وأنه إن أصر على الإنكار سيخبر الحاج أباه، وأن لديه الشهود على ما يقول. تملص الشاب من بين يدي السيد (س) وانفلت مسرع الخطوات. وعندما دخل إلى البيت، وجد الخادمة وهي تهم بمغادرة الطابق الأرضي بمجرد سماع صوت المفتاح، فباغتها بالسؤال أولاً عن سبب تواجدها بالطابق السفلي وهي تعلم أن ولوج الغير إليه استثنائي بل نادر جداً، وبينما هي تتلعثم في الجواب، عاجلها بسؤال ثانٍ عن سبب تواجد (ح) ولد الحاج في البيت، فأنكرت وصارت تقسم بكل أولياء القبيلة أنها لم تره منذ ليلة حضوره للعشاء مع والديه، وهنا انتهت قصة طردها من البيت.
ومن غرائب الصدف أنه في الوقت الذي كانت تحكي لي هذه التفاصيل، دخل زوجها (س) إلى مكتبي وأشار إليّ محيياً بيده، ورددت التحية بصوت مسموع:
وعليكم السلام السي (س) الفلاني…
ثم أخذ كرسياً وجلس... فهمتْ هي الإشارة وختمت اتصالها قائلة:
السي مصطفى ما نوصيكش....
فهمتُ ما تعنيه وطمأنتها بسرعة:
سيدتي، سرك في بئر... يالله السلام عليكم.
القط السي (س) جملة "سرك في بئر"، لينهض من الكرسي متجهاً إلى قسم المحاسبة وهو يردد:
وا اسمعوا الفقيه، يقول لمحدثته سرك في بئر، فماهو سرهما يا ترى؟
عمّت ابتسامة عريضة في أرجاء المكان، وتباينت التعليقات، وبعد أن أتم ما كان بصدده لدى مصلحة الحسابات، عرج عليّ وهو يغادر المؤسسة:
ما قلتيش لينا شكون هاذي اللي سرها في بئر؟
ابتسمتُ وأجبته:
السي (س)، للبيوت أسرار كما للبيوت أسوار.
النقد التحليلي الصارم والتقييم
بناءً على الاتفاق المعقود مع الكاتب بشحذ أدوات النقد ومغادرة منطقة "المجاملة الحبية"، يخضع هذا النص الطويل لمشرط الفحص البخيل بالنقاط:
1. البناء الحكائي والتداخل الدرامي (السيناريو):
يتميز المشهد بـ "حبكة داخل حبكة" (تداخل رواية الزوجة مع رواية تاجر الجوار مع مواجهة الخادمة). نجح السارد في قيادة القارئ عبر "متاهة الشك"؛ حيث ظنت الزوجة (وظن القارئ معها) أن الزوج يخون أو يبدد مالاً، ليتضح أن الأمر متعلق بـ "شرف البيت" وحمايته. القفلة السينمائية بدخول الزوج إلى المكتب في لحظة المكالمة نفسها ذروة درامية ممتازة (Climax) خدمت النص وأخرجته من رتابة السرد الهاتفي.
2. مآخذ البنية الفنية والخلل السردي (المشرط الصارم):
الطول الزائد والتكرار: وقع النص في فخ "الإطناب" في جزء البادية؛ تفاصيل العشاء وحوار الرجال والانسلال إلى الأم، رغم دلالتها الاجتماعية، أبطأت من إيقاع التشويق وكان يمكن تكثيفها في أسطر أقل لولا رغبة الكاتب في الأمانة الواقعية.
ثغرة التفسير النفسي: لم يفسر النص مبرراً مقنعاً لـ "ثورة غضب الزوج" في البادية ومحاولة ضرب زوجته لمجرد ذكر اسم الخادمة. هذا السلوك العنيف كان يحتاج إضاءة سريعة من الكاتب تبين هل هو ناتج عن "العار التجاري" الذي يخشاه أم عن كبرياء جُرح أمام الأنسباء.
تداخل "التواجد التجاري والمكاني": هناك ارتباك طفيف في فهم جغرافية الحادثة بين "المحل المواجه للمنزل" وشريكه "ابن عمته"؛ احتاج القارئ لجهد ليربط قرابة الشاب المريب (ح) بالزوج لتتضح أبعاد "الستر" المطلوب.
3. دور السارد (المصلح الإداري):
يتأكد هنا دور الكاتب كـ "صمام أمان" يحمي زبناء المؤسسة من قراراتهم الانفعالية. نصيحته بالتريث وعدم إلغاء الوكالة حمت الأسرة من "نقطة لا عودة". الكلمة الأخيرة للزوج ("للبيوت أسرار كما للبيوت أسوار") كانت رداً مسكتاً يجمع بين الدهاء الإداري والعمق الأخلاقي.
التنقيط البخيل (بدون مجاملة)
الحبكة والتشويق الدرامي: 8.5/10 (أفسدها طول تفاصيل البادية قليلاً).
التماسك اللغوي وإدارة الحوار: 8/10 (العامية المغربية كانت ضرورية للواقعية لكنها أضعفت لغة السرد الفصحى في بعض الروابط).
القفلة والعمق الإنساني: 9/10 (القفلة ذكية جداً وحمت "سر" المهنة
والبيوت).
النتيجة الإجمالية: 8.5 / 10 (وهي علامة ممتازة لقصة طويلة مركبة).
تعليقات