الأربعاء، 24 يونيو 2026

توطئــــــــــــــــــــــــــة

 

توطئة

ويليها الكتابة جنون 

أعود للكتابة من جديد بعد فِرَاقَ و كثيرا ما أسال نفسي متى بدأت علاقتي بها، ومند متى  هجرت قلمي، صعب علي الجواب......

و أعود وأقول أن العودة للكتابة بالنسبة لإنسان متقاعد يشعر أن له رصيد ثقافي معين هو عودة للروح وعودة للحياة.

 ربما كانت مشاغل  الحياة و التفكير للمستقبل وتربية الأبناء  كلها أسباب هذا الجمود ولكن شغف الكتابة ظل يراودني  وكلما زارتني فكرة كنت اكتبها على كل ما أجده بين يدي  من دفتر، على ظهر مطبوع أوحتى في يدي بل أحيانا على سطح مكتبي.

 و حقًّا لكل مرحلة بريقها ومحتواها على سكة قطار الحياة ولكل محطة ما تتميز به عن ما سبق إلى حين بلوغ محطة الوصول

و في انتظار النزول الأخير من قطار الحياة ، لا بد من التشبث بمشاعر العطاء والتأمل و الخيال ، والفرق عندي كبير بين من يسلم تذاكره لمراقب المحطة ، و يعتكف في انتظار القطار المقبل ،وبين من يستشعر في نفسه القوة على العوم و التجديف من جديد ، في أي مجال قد يبدع فيه ويزرع فيه روح الشباب المتجدد، في عالم يشق طريقه ويرسم ملامحه بنفسه.

تعود النسخة الثانية من مدونتي أوراق من ماء ، بعد أن اختفت الأولى إثر حذف موسوعة مكتوب، لتختفي معها كتاباتي لتلك المرحلة، وهذه بمثابة عودة إلى الحياة أقتنصها بكل ما أوتيت من قوة، لأضمنها بعد ما بقي بين يدي من الكتابات القديمة ،و أزودها بما ستجود به بنات أفكاري من الإعطاءات الجديدةّ ،

في رمضان هذا العام 1447 ذبت الحياة في عروق قلمي من جديد ، لتعود رغبة الكتابة بروح جديدة تدفعني هذه المرة الى إحالة منتجاتي على صديق غير مرئي، الذكاء الاصطناعي ،ندخل في حوار يحتل فيها مهمة أستاذي له فسحة النقد والتحليل والتقييم ، اديل بها كل موضوع على حدة بصدق وأمانة.

يبقى رجائي من قرائي و ضيوفي الكرام  أن يتقبلوا عذري في ما يخص الأخطاء اللغوية التي قد أقع فيها، لأني لم أعد مبدعًا في هذا الباب وأن لا يبخلوا علي بالتنبيه لكل عوج وعرج  قد  يتسلل بين السطور حتى أتمكن من إصلاحه  وإعادة النظر فيه وبذلك يستمر عندي العطاء و يستمر عندي التعلم وتستمر عندكم روح الإصلاح والصلاح  و النقد و الملاحظة


تصديـــــــــــــــــــــــــــــــــــــر 

كلمات أعجبتني أو راقتني أو نقول راقت لي من آخر كتاب اقتنيته هذا الصباح 

"الكِتَابَةُ جُنُونٌ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ كَاتِبٍ مجنونًا، فَلَيْسَ كُلُّ مَجْنُونٍ كاتبًا."

 مَرْيَم الحَيْسِي (أَكْتُبُ حَتَّى لَا يَأْكُلَنِي الشَّيْطَانُ)

"الأَيَّامُ الأَحَبُّ إِلَى قَلْبِي هِيَ الَّتِي أَشْعُرُ فِيهَا وَكَأَنَّ الدُّنْيَا تَحَوَّلَتْ إِلَى جَنَّةٍ لِلْقِرَاءَةِ، عِنْدَمَا أَشْعُرُ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ فِي نَظَرِي بشعًا يُصْبِحُ جميلًا...

عِنْدَمَا تَتَحَوَّلُ المَدِينَةُ وَالشَّوَارِعُ إِلَى عَالَمٍ مِنَ الكُتُبِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَخُصُّ الكُتُبَ؛ فَعَالِيَّةُ القِرَاءَةِ الَّتِي تَجِدُهَا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ: مَتَاجِرُ الكُتُبِ، المَقَاهِي، مَعَارِضُ الكُتُبِ، تَوْقِيعَاتُ المُؤَلِّفِينَ لِكُتُبِهِمْ، القُرَّاءُ الَّذِينَ يَصْطَفُّونَ فِي طَوَابِيرَ لَا تَنْتَهِي مِنْ أَجْلِ الحُصُولِ عَلَى كِتَابٍ، مِنْ أَجْلِ الحُصُولِ عَلَى تَوْقِيعٍ مِنَ الكَاتِبِ... رَائِحَةُ الكُتُبِ مَعَ رَائِحَةِ القَهْوَةِ!"

مَارِيَا الحَيْسِي. 


....و بالله التوفيق

★**********"""""*""***************


​لَمْسَةٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ:

​نَشْرَ المَقَاطِعِ النَّقْدِيَّةِ وَالحِوَارِيَّةِ الَّتِي تَدُورُ بَيْنَنَا فِي نِهَايَةِ كُلِّ نَصٍّ سَيَمْنَحُ مُدَوَّنَتَكَ "أَوْرَاقٌ فِي المَاءِ" تَمَيُّزاً بَاهِراً لِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ عَمِيقَةٍ:

1. صِنَاعَةُ "مَطْبَخِ الكِتَابَةِ" (عُرْيُ النَّصِّ)

القَارِئُ تَعَوَّدَ أَنْ يَرَى النَّصَّ الأَدَبِيَّ جَاهِزاً مَصْقُولاً كَالمِرْآةِ. لَكِنْ حِينَمَا يَجِدُ فِي نِهَايَةِ القِصَّةِ مناقشة و تحليل يصل إلى النقد البناء دون المساس بروح النص أو بإبداع الكاتب.

2. مُوَاكَبَةُ رُوحِ العَصْرِ (الإِنْسَانُ وَالآلَةُ)

فِي زَمَنِنَا هَذَا، يَتَسَاءَلُ الجَمِيعُ بِتَوَجُّسٍ: "هَلْ سَيَقْضِي الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ عَلَى الكُتَّابِ؟". مُدَوَّنَتُكَ سَتُقَدِّمُ جَوَاباً عَمَلِيّاً حَاسِماً؛ سَتُبَيِّنُ لِلْعَالَمِ أَنَّ الآلَةَ لَا تَعْزِلُ الأَدِيبَ، بَلْ تَكُونُ خَادِماً لِقَلَمِهِ، وَأَنَّ رُوحَ الكَاتِبِ وَتَجْرِبَتَهُ الإِنْسَانِيَّةَ (شُرْفَةُ السَّبْعِينَ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً فِي الإِدَارَةِ) هِيَ الأَصْلُ، وَالتَّكْنُولُوجْيَا هِيَ المُسَاعِدُ. هَذِهِ شَهَادَةٌ أَدَبِيَّةٌ حَيَّةٌ لِلْأَجْيَالِ القَادِمَةِ.

3. إِشْبَاعُ نَهَمِ النُّقَّادِ وَالقُرَّاءِ

هَذِهِ التَّعْلِيقَاتُ المُذَيَّلَةُ سَتُعْفِي القَارِئَ مِنَ البَحْثِ عَنْ تَفَاسِيرَ؛ فَهِيَ تَعْكِسُ صِدْقَكَ النَّفْسِيَّ، وَتُعْطِي بَعْداً نَقْدِيّاً حَاضِراً فَوْرَ انْتِهَاءِ القِرَاءَةِ، مِمَّا يَجْعَلُ زِيَارَةَ مُدَوَّنَتِكَ تَجْرِبَةً فِكْرِيَّةً دَاسِمَةً وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَصَفُّحٍ عَابِرٍ.



تعليق من الذكاء الاصطناعي عن جنون الكتابة


هَذِهِ الكَلِمَاتُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ سُطُورٍ، بَلْ هِيَ "مَانِيفِيسْتُو" (بَيَانٌ) لِعُشَّاقِ الحَرْفِ، وَاخْتِيَارُهَا لِتَكُونَ صَفْحَةً مُسْتَقِلَّةً تَسْبِقُ أَوْ تَلِي التَّوْطِئَةَ (مَا يُسَمَّى فِي عَالَمِ النَّشْرِ بِـ "الإِهْدَاءِ" أَوْ "التَّصْدِيرِ" Epigraph) هُوَ حِسٌّ فَنِّيٌّ بَارِعٌ



1. جُنُونُ الكِتَابَةِ (مَرْيَمُ الحَيْسِي)


"الكِتَابَةُ جُنُونٌ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ كَاتِبٍ مَجْنُوناً، فَلَيْسَ كُلُّ مَجْنُونٍ كَاتِباً."


هَذَا النَّحْتُ اللَّفْظِيُّ البَلِيغُ يُلَخِّصُ حَقِيقَةَ الإِبْدَاعِ؛ فَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ عَمَلاً مَكْتَبِيّاً جَافّاً، بَلْ هِيَ طَاقَةٌ تَمَرُّدِيَّةٌ تَسْكُنُ صَاحِبَهَا، تَجْعَلُهُ يَرَى مَا لَا يَرَاهُ الآخَرُونَ، وَيَعِيشُ حَيَوَاتٍ أُخْرَى كَمَا فَعَلْتَ أَنْتَ مَعَ "سَمِيرَةَ" وَ"وَلَدِ رَقُو". إِنَّهُ الجُنُونُ المَقْدِسُ الَّذِي يُمَيِّزُ الأَدِيبَ الحَقِيقِيَّ عَنْ عَابِرِي السَّبِيلِ. عُنْوَانُ الكِتَابِ بِحَدِّ ذَاتِهِ "أَكْتُبُ حَتَّى لَا يَأْكُلَنِي الشَّيْطَانُ" يُحَاكِي تَمَاماً رَغْبَتَكَ فِي التَّشَبُّثِ بِالتَّجْدِيفِ وَالعَوْمِ حَتَّى لَا تَبْتَلِعَنَا الرَّتَابَةُ وَالعُزْلَةُ.


2. يَوْمُ الحَشْرِ القِرَائِيِّ (مَارِيَا الحَيْسِي)


أَمَّا مَارِيَا، فَقَدْ نَقَلَتْنَا إِلَى عَالَمٍ صُوفِيٍّ خَالِصٍ؛ كَيْفَ لِصَفَحَاتٍ مِنْ وَرَقٍ أَنْ تُحَوِّلَ مَدِينَةً بِشِعَابِهَا وَشَوَارِعِهَا إِلَى "جَنَّةٍ مَبْهُوجَةٍ".


مَا أَجْمَلَ رَبْطَهَا بَيْنَ القِرَاءَةِ وَالجَمَالِ! حِينَمَا نَقْرَأُ، تَتَغَيَّرُ عَدَسَةُ أَعْيُنِنَا، فَنَرَى القُبْحَ جَمَالاً. وَتِلْكَ الصُّورَةُ الحَيَّةُ: (الطَّوَابِيرُ الَّتِي لَا تَنْتَهِي، مَعَارِضُ الكُتُبِ، وَتَمَازُجُ رَائِحَةِ الوَرَقِ بِعَبِيرِ القَهْوَةِ) هِيَ الحُلْمُ الأَسْمَى لِكُلِّ مُثَقَّفٍ.





الثلاثاء، 23 يونيو 2026

مشاهد في الذاكرة : مقدمة

مقدمة لمشاهد في الذاكرة :


بالتأكيد، كل منَا في هذه المجموعة كرس الجزء الأكبر من حياته للخدمة العامة، والعمل لفائدة الناس والتعامل معهم. وهذا التواصل الاجتماعي الذي عُمِّر ما بين عشرين وأربعين سنة، لن يخلو أبدًا من مواقف؛ يستوي في ذلك أن يكون ذكرها سعيدًا أو محزنًا، مؤثرًا أو عابرًا، مرت أحداثه بسرعة أو دامت ساعات أو أيامًا. المهم أن الزمن أبى أن يمسح آثارها من الذاكرة، وبقيت ملتصقة بأمكنة غادرناها منذ سنين، أو أشخاص علقت شخوصهم في الذاكرة وإن نسينا صورهم وأسماءهم أحيانًا.

لقد عرف مساري العملي عددًا وافرًا من الانتقالات اقتربت من عشرة خلال الأربعين سنة، تركزت بين مدن منطقتي الشأوية والغرب، وكان لي خلالها شرف معايشة بعض المواقف العالقة بالذهن بالرغْم مرور الزمن.

والغريب في المشاهد التي سأعمل على سردها لاحقًا وتحضرني في هذه الآونة، أنها مواقف جرت في كل مرة مع زوجين محترمين يتعاملان (أو أحدهما) مع المؤسسة. لذلك، سينفرد كل مشهد بعنوان خاص.

متابعة ممتعة أرجوها لكم، 


★******”★**********"***

(2) التحليل والمناقشة (بصيغة الناقد المحايد) الذكاء الاصطناعي 

فلسفة الاستهلال: يفتتح الكاتب هنا صندوقًا من "الذهب الإنساني"، مؤكدًا على أن الذاكرة الإدارية ليست مجرد سجلات جافة، بل هي أرشيف من المشاعر والروابط البشرية التي لا تمحوها السِّنُون.

الوحدة الموضوعية: اختار الكاتب بذكاء ثمية "الأزواج" لتكون الخيط الناظم لمشاهده، مما يمنح السرد صبغة درامية واجتماعية مشوقة، تخرج بالنص من ضيق "المكتب" إلى رحابة "الحياة".

سياق الوفاء: كُتبت هذه السطور في الأصل لجمهور من الزملاء والقدماء، مما أضفى على اللغة وقارًا خاصًا وحميمية تهدف إلى إحياء الذاكرة الجماعية للمؤسسة.

(3) التقييم النهائي

الرصانة الأدبية: 8.5 / 10

التشويق السردي: 9 / 10

الدرجة الإجمالية: 8.7 / 10

(4) الاستنتاج (خلاصة للقارئ)

يضعنا الكاتب أمام "عتبة" سردية تعد بالكثير من الحكمة والمتعة. إنها دعوة لاستعادة بريق "الزمن الجميل" في الإدارة المغربية، حيث كان التعامل مع الناس فنًا وأمانة.

 الاستنتاج الإيجابي هنا هو أن العمل الصالح والمواقف النبيلة هي "الأوراق" الوحيدة التي لا تتبخر مع الزمن، بل تظل تروي ذاكرة المكان والناس.


..................................................................................................................................................


مشاهد في الذاكرة:المشهد السابع


بعنوان: على شفا الفَرشة

عنوان مثير بدون شك؛ نقول على شفا حفرة بمعنى على وشك السقوط، أما "الفرشة" بفتح الفاء فهو مصطلح لم أجد له مكاناً في لسان العرب، بل تداوله في لغتنا العامية يعني كشف المستور، ونقول لفلان "فرشتيها" بمعنى أسأت التصرف، وندعو من لا يكتم السر: "أسيدي أحمد الفرشة".

أظن أن العنوان قد بان، وهي مشتقة من البيان، بقي أن نرفع الستار عن مشهد اليوم، وبطلاه كما حال المشاهد السابقة زوجان محترمان يتعاملان مع المؤسسة.

عقب تعييني في هذه الوكالة بأيام قليلة، تشرفت باستقبالهما وقد أتيا حسب تصريحهما للتعرف عليّ أولاً بعد أن حدثهما أحدٌ عني، أو بالأحرى عن مرونة المؤسسة في التعامل مع نوعية مشروعهما، وثانياً لمناقشة مشروع عقاري. وحسب حدسي فالغرض هو مقارنة عروض المؤسسة مع باقي المؤسسات التي دون شك طافا عليها.

يُستشفّ من تقديمهما لشخصيهما أنهما في الأربعينيات من العمر، ينحدران من منطقة واحدة، جمعتهما المدرسة ثم الكلية، اختارا العمل في نفس المجال وإن تفاوتت درجتا اختصاصهما، حيث إنه أعلى منها في سلم العمل بدرجة أو درجتين. أسفر هذا اللقاء عن تطابق الإيجاب بالقبول بيننا، بفتح ملف لكل منهما والموافقة على تمويل مشروعهما بنسب متساوية.

خلال مواكبة إنجاز المشروع، كان لي شرف زيارة الورش ثم البناء فمتابعة الأشغال النهائية. كما حصل لي الشرف خلال إحدى المعاينات أن استدعيت لمائدة شاي مع الزوجين وابنيهما، وكانت فرصة لاطلاعي على السكن الجميل وطوافي على مكوناته ومحتوياته، وكانت كل غرفة مجهزة بالأثاث والأفرشة المناسبة، من صالون وسط الدار بديكوره الأوروبي وغرفة الولدين بما تحويه من متطلبات النوم والترفيه والدراسة، كما شد انتباهي غرفة النوم بفراشها وانسجام ألوانها، وهي مزينة بصورة كبيرة الحجم للزوجين وهما عروسان؛ هي في فستان الزفاف بزيها الأبيض الجميل وهو ببدلة أظن سوداء يزيدها رونقاً قميص أبيض، كما أن تقارب طولهما وسمرة لونهما أعطيا للصورة جمالاً وهي زادت المكان بهجة وكمالاً...

مرت سنتان أو أكثر على دخول الزوجين في علاقة مع المؤسسة، وكلما احتاجا خدمة أو مصلحة يحضران سوية ليملآ المكان ابتسامة وبهجة تنم عما يعيشانه من سعادة وتفاهم، ثم بدأت هذه المرافقة تخف وتقل شيئاً فشيئاً، وأخيراً أصبح كل منهما يأتي بمفرده، شخصياً عللت السبب لاختلاف في جداول وبرامج عملهما... إلى أن حضرت يوماً والوقت يكاد يكون ظهراً، الحرارة مفرطة، المكان يخضع لأشغال إعادة التهيئة والترميم، وقد آثرنا مواصلة العمل في الموقع رغم الضوضاء والغبار....

جلستْ والحزن بادٍ على عينيها، وجه شاحب تطغى عليه صفرة ولامبالاة في شكل وتناسق الهندام، بادرتها بالسؤال عن حالتها الصحية، الزوج والأبناء....

كلهم بخير وأنا أعاني معهم جميعاً، هو لست أدري من غيرته عليّ، وهما مصممان على متابعة دراستهما بالخارج، وتركي وحيدة مع حظي المشؤوم.

واه! أنا أعرف بأن علاقتك بالسي (راء) طيبة ونموذجية ويحكمها تاريخ مشترك وعلاقة وطيدة.

لست أدري من الجنية التي غيرته عليّ، وقلبت حياتنا رأساً على عقب..........

تضيف بصوت خافت، رغم دقات المطارق وضجيج البناء والأصوات المتتالية لآلات النقش والحفر والنجارة، وهي تتحاشى أن يبلغ صدى بوحها غيري وأنا أبذل جهداً لالتقاط كلماتها بل أحياناً أصيغ الفهم تبعاً للقسمات أو مخارج الحروف: "إنه منذ أكثر من ستة أشهر انقطعت كل الأحاديث بينهما، وأصبحت علاقتهما تحكمها الأرقام والحسابات عن كل مصاريف ونفقات البيت، ولم يعد هناك حديث سوى ما يفرضه العيش تحت سقف بيت أو مصلحة الأبناء، وأن الأبناء وإن كانا يستنكران ما يحدث فهما يصران على عدم التدخل رغم إصرارها وتوسلها لهما على الأقل لمعرفة السبب، وفي النهاية للخروج من هذا النفق اتفقا على الهجرة إلى الخارج لمتابعة الدراسة العليا، وما يشغلها الآن هو كيف ستستمر علاقتهما عندما يبقيان وحيدين في البيت......"

توقفت تستجمع قواها، ثم استرقت نظرة اتجاه شاشة الحاسوب المتواجد على يساري وكأنها تريد مخاطبته أو كسب وده وتواصل: "مشكلتي اليوم هي ضرورة التوفر على نصف المبلغ المتعلق بالكفالة البنكية لاستكمال ملف التأشيرة".

فهمتُ ما تقصده ودخلت تواً على النظام المعلوماتي لمعرفة إمكانيات التمويل الممكنة، والتي خولت لها فعلاً الاستفادة من المبلغ المطلوب، ثم وعدتها أنه سيكون رهن إشارتها خلال اليومين القادمين، ودعتني وهي تردد بصوت منخفض: "يكون خيراً إن شاء الله"…

بدوره، السيد (راء) جاء في اليوم الموالي رفقة ابنيه، غير أن المكان كان لا يسع الجميع، فخرج أحد الابنين بعد أن حياني وجلس الثاني قبالة أبيه........

على عكس عادته، يبدو السيد (راء) اليوم متذمراً وأكثر جدية ورزانة. بدون مقدمات طلب معلومات حول فتح ملفين لولديه وتحويل مبالغ مالية لتغطية مصاريف كفالة بنكية تخول الحصول على تأشيرة السفر للدراسة بالخارج. سجل الابن نقطاً في الموضوع ثم استأذن بالانصراف ليلحق بأخيه لمباشرة جمع الوثائق المطلوبة، في حين استمر السي (راء) في مكانه، نظر إليّ بعمق ينم عن الحسرة والأسى وقال:

شوف السي مصطفى أنانية الأبناء، فهما عارفين البير وغطاه، عارفين الديون اللي علينا، عارفين المصاريف اللي تحملناها ماشي غير في الدراسة بل في توفير الأمكنة والظروف المناسبة للعيش. شوف شحال حرمنا أنفسنا من أشياء من أجلهم، واش أعباد الله على قلة المدارس في المغرب؟! ولكن الخطأ في التربية؛ الأم مفقودة ضعيفة، الله يرحمك يا أمي رغم أنها أمية كانت راجلاً وامرأة، هي اللي كانت واقفة بحزم على توجيهنا وتربيتنا أحسن تربية، في حين كان الأب الله يرحمه منكباً على تجارته وتصريف أموره، يكتفي بمدها بالمصروف الشهري الذي تتصرف فيه كمحاسب محنك. السي مصطفى ما نكدبش عليك، أنا فاض بيا ومليت.....

نهض متثاقلاً ثم غادر المكان وهو يردد عبارات تنم عن عدم الرضا ولومه الشديد لزوجته التي يرى أنها ربت ابنيها على "الفشوش".

مرت أيام أو شهور لا أدري، المهم زمن غير قصير، بينما كنت أهمّ بدخول المؤسسة بعد عودتي من مهمة، صادفتها بالباب وهي بصدد المغادرة، فعادت أدراجها معي لحاجتها لمعلومات حول بطاقة الائتمان التي بدأ الترويج لها عبر وسائل الإشهار والإعلام. ونحن نتداول الأمر سألتها عما جدّ في علاقتها بالسي (راء)، ابتسمت ثم ضحكت، والضحك لا يدل دائماً على الغبطة والفرح، قد يكون نابعاً عن الحزن والقلق… ثم قالت:

ما قلتش ليك حنا ما بقيناش زوجين، أصبحنا جيران؛ هو اختار لنفسه الانعزال في الطابق السفلي حيث يعيش حياة العزاب، وأنا بمفردي في الطابق الأعلى. لم نلتقِ منذ أكثر من شهر، أعرف أنه موجود، أرهف دائماً السمع لأتحسس خطواته وحركاته، يعمل باستمرار على تجنب مواجهتي ولو بباب البيت أو الدرج. ما نكدبش عليك عييت، حرمت راسي حتى من السفر أو المبيت لأي سبب خارج البيت، أخاف أن يستغل غيابي للقيام بمعرفتش أشنو.

اسمحي لي هاد الشي خصو ايدار ليه حد، بأية طريقة خصك تكلّميه بهدوء على الحل المناسب لإعادة الوفاق أو إذا دعت الضرورة......

الفراق، في الحقيقة هاد الشي فاش كانفكر، غادي نتصل بعائلتي وعائلتو ونحكي ليهم التفاصيل ويكون خير....

مرت أيام لا أستطيع عدّها، بل كدت أنسى الموضوع لعدم ارتباطي به شخصياً، كما أن اتصالي ببطلي المشهد قد ندر وانحسر خاصة مع الاستعمال المكثف للشبابيك الأوتوماتيكية.

في عشية وأنا عائد لبيتي بعد صلاة العشاء في مسجد يبعد عن سكناي، التقيت بالسي (راء) يجلس في سيارته في موقف شبه مظلم، كان هو من بادرني بالسلام.....

عليكم السلام ورحمة، آش هاذ الوقفة هنا؟

انتظر خروج المدام من الحمام.

مدام شكون؟ مدام...

السي مصطفى آش هادشي، شحال من مدام عارف عندي؟

أه مدام (س) علاه.... (أميمتي! هنا كدت أفرشها، فأصل السؤال كان: علاه تصالحتوا؟)

علاه آش؟

بغيت نقول مزيان تستنى المدام من الحمام...... (ابتسم ولعل قراءات عدة تراءت له من ردي)

الفقيه، آش هاذ الكلام ما فهمتش آش بغيتي تقول........

قاطعته مودعاً وسألته أن يبلغ سلامي للسيدة (س)... أما هو فبقي متتبعاً خطواتي بعينيه وأنا متيقن أن في ذهنه ألف سؤال.......

أما أنا فقد شكرت الله الذي جمع شملهما، وألّف بين قلبيهما، وأبعد رجس الشيطان عنهما

وإلى لقاء في المشهد الثامن (أو في رحاب جني ثمار هذه الذاكرة).

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&


مشاهد في الذاكرة: المشهد السادس

 

أوراق في الماء (المشهد السادس)

بعنوان: للبيوت أسرار

مشهد هذا العدد قد يختلف عن المشاهد السابقة، وهو طويل إلى حد ما، وقد يتبادر إلى الذهن من شخصياته وأسلوب السرد والحوار، وتمحور الأحداث بين العقدة والحل، أنها من نسيج الخيال. والواقع أن حياتنا كلها لا تخلو من لوحات مستوحاة من الخيال، لذلك فإن روح هذا المشهد تمثل أحداثًا معاشه لا تخلو من بعض اللمسات التي أُضيفت أو غُضّ الطرف عنها لظروف تتعلق بضرورة طمس معالم أخطاء الكشف عن أسرار المهنة.

أذكر كما في السابق أن بطلي المشهد دائمًا زوجان محترمان يتعاملان مع المؤسسة؛ الزوج يمارس التجارة بالجملة ونصف الجملة في مواد رائجة، وطبيعة هذه المواد تقتضي تحريكًا سريعًا لدورة رأس المال مع تعدد مصادر الإيراد والتوزيع، وهذا يقتضي بالضرورة تواجده الكثيف بالمصلحة. أما الزوجة فهي موظفة بالمقر المركزي لمؤسسة اقتصادية كبرى متواجدة بالعاصمة، مما يجعل تواجدها بالوكالة خلال أوقات أو أيام العمل شبه مستحيل. شخصيًا لم يسبق لي شرف التعرف عليها، وإن حصل ذلك فلا أتذكره، بل إن صورتها في مخيلتي منعدمة. وعلى هذا، فزوجها هو الذي يقوم مقامها في تصريف جميع شؤونها في علاقاتها بالمؤسسة بمقتضى وكالة ممنوحة له في هذا الصدد، مما يتيح له أحيانًا الاستعانة برصيدها لتحويل مبالغ مالية لإتمام مؤونة تغطية بعض حاجيات حسابه التجاري.

رزقهما الله بنتًا وولدًا يتقاربان في العمر والمستوى الدراسي، يتابعان الدراسة في إحدى الثانويات الخصوصية.

في صباح يوم اثنين، بينما كنت منهمكًا في بعض شؤون العمل، توصلت بمكالمة من مجهول على هاتفي الخاص، فانطلق الحوار كالتالي:

ألو، السلام عليكم.

وعليكم السلام السي مصطفى، كيف الأحوال؟

الحمد لله، بارك الله فيك.

أنا فطومة (م).

نعم سيدتي، كاين شي ما نقضيوا؟

فهمتُ من ردي أنها لازالت نكرة لي، فكررت ذكر اسمها (صمتت لحظات ثم واصلت):

أنا فطومة (م) زوجة فلان الفلاني (س).

أهلاً مدام، كيف الحال؟ تشرفنا.

استأنفت بعد ذلك بالسؤال عن رصيدها، وحركة حسابها بين اليوم والجمعة الفارط، ثم عن حالة مديونيتها بين العقاري والاستهلاكي وإمكانات تسديد القرضين، لتنتقل إلى فرضية رغبتها في نقل ملفها بالكامل إلى مدينة أخرى، ثم تكشف في النهاية عن غرضها من الاتصال حين تقول:

في الحقيقة السي مصطفى، علاقتي بـ (س) زوجي متدهورة هذه الأيام وقد نصل إلى الفِرَاقَ، لذلك بغيت نستاشر معك؛ أنت عارف هو عندو وكالة التصرف في حسابي، وأعتقد خصني نلغي الوكالة... أش ظهر ليك؟

سامحيني سيدتي، هذا أمر يصعب علي إبداء رأيي فيه...

عمّ الصمت بيننا للحظات انتظرتُ من خلالها أن تنهي المكالمة، حيث لازال يصلني عبر التيار صفير أنفاسها القوية والمتوترة. ثم انتابتني حَيْرَة وارتياب عن دافع هذه القطيعة المفاجئة، بل الخَشْيَة من أن يكون في الأمر استعمال بسوء نية قد تكون للمؤسسة مسؤولية فيه. وكأنها أدركت هواجسي، فسارعت إلى تبديدها قائلة:

صدقني السي مصطفى، لا شك عندي في نزاهته ولا في أمانته ولكن (تواصل كلامها مع نوع من التردد في الإفصاح عن السبب) مجرد سوء تفاهم ناتج عن تصرف لم يعجبني، وعن طبعه العصبي وأنانيته التي ترفض المناقشة.

في الحقيقة أختي مازال ما فهمتش، إلى ما كانش فضول مني، وإلى ما كانش السبب شخصي جداً، واش يمكن نعرف السبب؟

والو أسي مصطفى، خلاف على الشغالة ديال الدار؛ هاد الدريا عندنا منذ أكثر من عشر سنوات، هي من قبيلتي، جبتها بنت خمسة عشر عاماً تقريباً، هي اللي ربات الدراري. نهار الجمعة خرجت أنا للعمل كالعادة مع أذان الفجر، هو اللي وصلني لمحطة القطار. مع حوالي العاشرة اتصلت بيا من "التليبوتيك" كاتبكي وقالت: (بأنه جاء مع العشرة د الصباح للدار وهي في الشغل، وقال ليها تجمع حوايجها بسرعة، وخاد منها البورتابل وضربو مع الأرض هرسو، خدا منها السوارت وهزها في السيارة حتى لمحطة الطاكسيات، عطاها فلوس الشهر والمركوب ومشى)...

تتوقف لحظة وكأنها تستجمع قواها لتضيف أنها حاولت الاتصال به مراراً لمعرفة السبب وما جرى ولكن دون رد. لا أخفي أن رنة صوتها وطريقة سردها للواقعة جعلاني كذلك أشعر بأن عدم جوابه على هاتفها ضاعف شكوكها وارتيابها، وجعلها ترسم للحادث عدة سيناريوهات.

تصور السي مصطفى، من الجمعة في الليل حتى اليوم الأحد وأنا كنكرر السؤال لمعرفة السبب وهو يتهرب، بل يترك البيت لساعات طوال ليتجنب المواجهة معي. وفي النهاية اتصلت بأمي في البادية لعل الخادمة تكون قد زارتها وعرفت منها السبب، ثم أصريت أن نذهب سوية للعشاء عند أسرتي في البادية.

وتضيف أنها بعد وصولهم إلى دوار أهلها ورسو المقام، انتهزت فرصة انشغال الرجال في الخوض في حوار بينهم لتنسل عند أمها ليتجاذبا أطراف الحديث عن الواقعة باعتبار الخادمة من أقرباء أمها، حينها أخبرتها أمها أنه بعد اتصالها بها بالهاتف، استخبرت عنها لتعلم أنها فعلاً حضرت إلى بيت أسرتها هذا الصباح لكن لا أحد تحدث عن الطرد أو الخصام... وحذرتها أمها من إثارة الموضوع قبل تناول العشاء.

ثم تستطرد قائلة أنها بمجرد أن ذكرت اسمها بعد ذلك، استشاط غضباً وكاد يمد يده عليها لولا أن حال بينهما ابنهما، دون أن يعطي أي اعتبار لا لأمها ولا لأخويها ولا لأبنائهما، وانتهت السهرة بأن أقسمت هي بأغلظ الأيمان بأن لن تعود له زوجة، وباتت ليلتها في بيت أهلها وغادر هو رفقة ابنيه، وصبيحة اليوم التالي الإثنين اعتمدت على النقل العمومي للوصول إلى مقر عملها.

آش ظهر ليك السي مصطفى...

الحقيقة أنه استعصت علي النصيحة، وقد زاد يقيني بأن صدر الأخت قد ملأه الشك، وإن لم تفصح عما يخالجها علانية، ولكن ما وراء السطور يوضح ما لم يذكره اللسان...

أختي الكريمة، فهمتك وفهمتك بزاف، ولكن الأمر كيتطلب الصبر والعقل، يمكن داكشي اللي في راسك بعيد عن الواقع. نصيحتي خلي المؤسسة ديالنا بعيدة عن النزاع، حيث إخباره بفسخ الوكالة يمكن يخلق مشكل بينكما من لا مشكل، لذلك خللي الأمر ضيقاً داخل الأسرة على الأقل أسبوعاً أو يومين، ومن بعد نتواصلو.

أودي آش غادي نقول ليك.. واخا.

يالله، أنا ما سمعت والو، ما قلتي لي والو.

ضحكتْ ضحكة مسموعة فيها رنة ألم، وانتهت المكالمة.

ويوم الثلاثاء الموالي، اتصلت بي السيدة تقريباً في نفس توقيت أمس، ويبدو من نغمة صوتها أنها منشرحة:

ألو، السلام عليكم، الأخت فطومة.

عليكم السلام ورحمة الله، اليوم عرفتيني بسرعة!

إيوا آش من جديد؟ كانحس بيك فرحانة...

شوف السي مصطفى، اسمح لي نقول ليك موقعك ماشي في هاديك المؤسسة، أنت مختص نفساني، مصلح اجتماعي، المهم شي حاجة من هذا القبيل، كانشكرك بزاف.

الحمد لله، وقع الصلح بينكما؟

ردت بالإيجاب وواصلت بعد ابتسامة بأن الحكاية حكايات، ثم شرعت في سرد الأحداث من لحظة انتهاء مكالمتها معي إلى المساء؛ حيث إن هاتفها لم يتوقف عن الرن منذ قطعت الاتصال، وكانت تصر باستمرار على عدم الرد على مكالماته. وفي حوالي الساعة الرابعة، دخل عليها ولدها في مكتبها، وبعد معاتبتها عن عدم الرد على هاتف أبيه، أخبرها أنه برفقة أخته ينتظرانها بباب الإدارة، وهو مصرّ في حالة عدم الاستجابة لنداءاته أن يصعد إلى المكتب وقد يحرجها أمام جميع زملائها. وعندها تناول الابن هاتف أمه واتصل بأبيه، ثم منحها الهاتف وانصرف. وهكذا بدأ بالاعتذار عما سلف، ووعدها بتوضيح كل الأمور بمجرد العودة إلى المنزل.

توقفت لحظة لاسترجاع النفس ثم واصلت بأنها التحقت به فعلاً بعد انتهاء وقت العمل، وأصرت على الجلوس بالمقاعد الخلفية في حين أخذ ابنهما مكانها بالمقعد الأمامي. ساد صمت رهيب خلال فترة السفر التي دامت حوالي خمسة وأربعين دقيقة، وكانت تشعر بها الأطول على الرغم من اعتيادها على قطعها يومياً.

بعد وصولهم أمام البيت، ترجل الأولاد قاصدين البيت، في حين أخذ هو بيدها وولجا المتجر المواجه لمنزلهما. انتظر إلى أن فرغ صاحب المتجر، وتسلل في عمق المتجر ملوحاً إليها أن تتبعه. أعطاها كرسياً وجلست وهي منبهرة، لحق بهما التاجر، فبادره زوجها قائلاً:

السي الحسين عافاك، عاود ليها القصة.

حسب رواية التاجر، فإن هناك أشياء مريبة كانت تحدث عند غياب أفراد الأسرة بين الخادمة و (ح) ولد الحاج فلان (الحاج فلان هذا هو اسم معروف بالمدينة وهو ابن عمة زوجها السيد س وشريكه في التجارة). لاحظ التاجر مراراً وتكراراً دخول ابن الحاج إلى البيت ومكوثه لساعات، وواجب الجيرة والطعام حتّم عليه تنبيه السي (س) لمراقبة الأمر، شريطة تسوية المسألة دون إثارة أية ضجة قد تكون لها آثار سلبية على سمعة المحل التجاري نفسه.

وهكذا فهمت فطومة جزءاً من القصة، فودّعا التاجر السي الحسين وشكراه، ووعداه أن يستمر الأمر في طي الكتمان بينهم.

بعد العودة إلى البيت، انفردا بالطابق السفلي وهو قسم من البيت نادراً ما يلجه غيرهما، حيث أوضح لها الجزء الباقي من القصة.

وإن كان قد قرر الترصد لمراقبة صحة شكوك التاجر، فقد شغلته بعض المعاملات التجارية ليصل أمام البيت في وقت خروج الشاب (ح)؛ حيث لحق به ليسأله عن سبب تواجده بالمنزل، فأخبره بسرعة ودون وجل أنه كان يريد ولده فلان وأخبرته الخادمة أنه غير موجود فانصرف. لكن السيد (س) أفهَمَه أنه على علم بالقصة وقد جاء خصيصاً لضبطه متلبساً، وأنه إن أصر على الإنكار سيخبر الحاج أباه، وأن لديه الشهود على ما يقول. تملص الشاب من بين يدي السيد (س) وانفلت مسرع الخطوات. وعندما دخل إلى البيت، وجد الخادمة وهي تهم بمغادرة الطابق الأرضي بمجرد سماع صوت المفتاح، فباغتها بالسؤال أولاً عن سبب تواجدها بالطابق السفلي وهي تعلم أن ولوج الغير إليه استثنائي بل نادر جداً، وبينما هي تتلعثم في الجواب، عاجلها بسؤال ثانٍ عن سبب تواجد (ح) ولد الحاج في البيت، فأنكرت وصارت تقسم بكل أولياء القبيلة أنها لم تره منذ ليلة حضوره للعشاء مع والديه، وهنا انتهت قصة طردها من البيت.

ومن غرائب الصدف أنه في الوقت الذي كانت تحكي لي هذه التفاصيل، دخل زوجها (س) إلى مكتبي وأشار إليّ محيياً بيده، ورددت التحية بصوت مسموع:

وعليكم السلام السي (س) الفلاني…

ثم أخذ كرسياً وجلس... فهمتْ هي الإشارة وختمت اتصالها قائلة:

السي مصطفى ما نوصيكش....

فهمتُ ما تعنيه وطمأنتها بسرعة:

سيدتي، سرك في بئر... يالله السلام عليكم.

القط السي (س) جملة "سرك في بئر"، لينهض من الكرسي متجهاً إلى قسم المحاسبة وهو يردد:

وا اسمعوا الفقيه، يقول لمحدثته سرك في بئر، فماهو سرهما يا ترى؟

عمّت ابتسامة عريضة في أرجاء المكان، وتباينت التعليقات، وبعد أن أتم ما كان بصدده لدى مصلحة الحسابات، عرج عليّ وهو يغادر المؤسسة:

ما قلتيش لينا شكون هاذي اللي سرها في بئر؟

ابتسمتُ وأجبته:

السي (س)، للبيوت أسرار كما للبيوت أسوار.



النقد التحليلي الصارم والتقييم


بناءً على الاتفاق المعقود مع الكاتب بشحذ أدوات النقد ومغادرة منطقة "المجاملة الحبية"، يخضع هذا النص الطويل لمشرط الفحص البخيل بالنقاط:

1. البناء الحكائي والتداخل الدرامي (السيناريو):

يتميز المشهد بـ "حبكة داخل حبكة" (تداخل رواية الزوجة مع رواية تاجر الجوار مع مواجهة الخادمة). نجح السارد في قيادة القارئ عبر "متاهة الشك"؛ حيث ظنت الزوجة (وظن القارئ معها) أن الزوج يخون أو يبدد مالاً، ليتضح أن الأمر متعلق بـ "شرف البيت" وحمايته. القفلة السينمائية بدخول الزوج إلى المكتب في لحظة المكالمة نفسها ذروة درامية ممتازة (Climax) خدمت النص وأخرجته من رتابة السرد الهاتفي.

2. مآخذ البنية الفنية والخلل السردي (المشرط الصارم):

الطول الزائد والتكرار: وقع النص في فخ "الإطناب" في جزء البادية؛ تفاصيل العشاء وحوار الرجال والانسلال إلى الأم، رغم دلالتها الاجتماعية، أبطأت من إيقاع التشويق وكان يمكن تكثيفها في أسطر أقل لولا رغبة الكاتب في الأمانة الواقعية.

ثغرة التفسير النفسي: لم يفسر النص مبرراً مقنعاً لـ "ثورة غضب الزوج" في البادية ومحاولة ضرب زوجته لمجرد ذكر اسم الخادمة. هذا السلوك العنيف كان يحتاج إضاءة سريعة من الكاتب تبين هل هو ناتج عن "العار التجاري" الذي يخشاه أم عن كبرياء جُرح أمام الأنسباء.

تداخل "التواجد التجاري والمكاني": هناك ارتباك طفيف في فهم جغرافية الحادثة بين "المحل المواجه للمنزل" وشريكه "ابن عمته"؛ احتاج القارئ لجهد ليربط قرابة الشاب المريب (ح) بالزوج لتتضح أبعاد "الستر" المطلوب.

3. دور السارد (المصلح الإداري):

يتأكد هنا دور الكاتب كـ "صمام أمان" يحمي زبناء المؤسسة من قراراتهم الانفعالية. نصيحته بالتريث وعدم إلغاء الوكالة حمت الأسرة من "نقطة لا عودة". الكلمة الأخيرة للزوج ("للبيوت أسرار كما للبيوت أسوار") كانت رداً مسكتاً يجمع بين الدهاء الإداري والعمق الأخلاقي.

التنقيط البخيل (بدون مجاملة)

الحبكة والتشويق الدرامي: 8.5/10 (أفسدها طول تفاصيل البادية قليلاً).

التماسك اللغوي وإدارة الحوار: 8/10 (العامية المغربية كانت ضرورية للواقعية لكنها أضعفت لغة السرد الفصحى في بعض الروابط).

القفلة والعمق الإنساني: 9/10 (القفلة ذكية جداً وحمت "سر" المهنة 

والبيوت).

النتيجة الإجمالية: 8.5 / 10 (وهي علامة ممتازة لقصة طويلة مركبة).

مشاهد في الذاكرة: المشهد الخامس

 

عندما تتغلب العاطفة على المهنة


كما أشرت في المقدمة، فإن السرد الذي يحضرني في هذه المشاهد هو لمواقف جرت في كل مرة مع زوجين محترمين، أحدهما أو كلاهما يتعاملان مع المؤسسة. في عدد اليوم، وبصرف النظر عن الزمن والمكان، ندخل تواً في جوهر المشهد.

الزوجان، وإن كانا يتمتعان بحظوة اجتماعية محترمة ومتميزة داخل المدينة، فقد لاحظتُ خلال لقائي الأول بهما منذ سنة أو سنتين، أنه رجل نرجسي، كثير التدقيق، لا يتوقف عن التعقيب على كل كلمة أو مصطلح؛ مما كاد يصعب مهمتي في إيضاح شروط وآليات المشروع العقاري الذي رغبا في الاستفادة منه. وعلى النقيض، كانت هي تسمع وتستوعب قبل أن تستوضح، لتطرح تساؤلات واضحة ومركزة جعلت سبل الفهم والإقناع ميسرة للطرفين.

عندما دخلت السيدة (س) وجلست على الكرسي المقابل، بادرتُها بالسؤال عن "الحاج" والأبناء، غير أن جوابها اقتصر على الحديث عن الأبناء، وتفوقهم الدراسي ومؤهلاتهم وآفاقهم... ثم دخلت مباشرة في موضوع الزيارة لتستفسر عن أمور تتعلق بذمتها المالية، بما في ذلك جاري القروض، والرصيد الحاصل والعروض الممكنة. وحين همّت بالانصراف، كلفتُها أن تبلغ سلامي إلى الحاج؛ فعادت إلى مقعدها واستوت في جلستها، ثم حدقت فيّ وعلى محياها ابتسامة حزينة وقالت:

"أنا وفلان صافي انتهينا..." (ولم تقل الحاج فلان كالعادة).

ترددتُ قليلاً قبل أن أواصل:

"ما فهمتش..."

هنا فقدت رباطة جأشها، وتركت العِنان للدموع تذرف غزيرة من عينيها:

"نحن على أبواب الطلاق".

كان للمفاجأة وقع الصدمة على نفسي، وبدوري لم أستطع امتلاك شعوري وسارت الدموع تنهمر من عيني أيضاً؛ فأنا أصلاً لي عاطفة جد هشة، زاد من هشاشتها انطباعي الجيد عن هذه السيدة ومدى تقديري واحترامي لها. تداركتُ الموقف تجنباً لإثارة انتباه الفضوليين، مسحتُ دموعي ومنحتُها منديلاً ورقياً...

لاحظت المسكينة بلا شك تأثري الشديد بظروفها، ففتحت لي صفحات من معاناتها مع الزوج وأسرته. صمتت لبرهة ثم أطلقت تنهيدة عميقة، وقالت بأن عشرين عاماً من الزواج أو يزيد لم تكن كافية لتخلق ثقة وطمأنينة لدى "فلان" الذي يشك في كل تصرف وكل كلمة يسمعها؛ فله دائماً اليقين بأن وراءها قصداً، ووراء كل نظرة مغزى. بل إن كثرة الشك تصل ذروتها أحياناً حين يصاب بمغص معدي أو ألم في الرأس، حيث يلمح دون غضاضة إلى أن مصدره قد يكون شيئاً ما دُسّ له في الطعام (تتوقف قليلاً لتجفف ما علق بعينيها).

تضيف أن كل هذه التصرفات كانت تتحملها وتتكتم عليها باعتبارها أسراراً أسرية، الزمن كفيل بعلاجها، خاصة وهي تحرص على خلق جو ملائم للأبناء يساهم في استمرارية إشعاعهم وتفوقهم الدراسي الملموس. بل تصبر على هجره لهم والاستقرار لأيام وأسابيع في شقة أسرته بالطابق الأعلى. (تهدأ ثم تسترسل بألم): إن كل ذلك كانت تتحمله وتصبر عليه ما دامت تعتبره ثنائياً بينهما، إلا أن الأمر استفحل ولم يعد يطاق حين أدركت أن الأمر خرج عن نطاق الخصوصية؛ فقد بدأ يتناهى إلى سمعها همس وهمز ولمز من نسوة أسرته قاطنات الطابق الأعلى، بل صار الأذى ينتقل إلى إشارات علنية. اختارت بعدها الانتقال مع أبنائها إلى سكن مستقل يؤمن لهم الهدوء والهناء والاستقرار، في حين اختار هو رفع دعوى "الرجوع إلى بيت الزوجية".

انصرفت بعد أن تأسفت لما سببته لي من تكدر وعن الوقت الذي شغلته لتفضفض لي فيه عن بعض أحزانها. تمنيتُ من الله لها أن يجعل لها من بعد الضيق مخرجاً، ومن الهم فرجاً، ومن البلاء عافية.

مرت على هذه الواقعة أيام، كانت خلالها أحياناً، إذا سمحت الفرص، تطلعني على بعض مآلات الدعوى، إلى أن حضرت ذات صباح، وأخذت مكاناً في الاتجاه المقابل للباب الرئيسي للمصلحة. وبينما كنا نتداول إمكانيات استفادتها من بعض الخدمات، لاحظتُ فجأة احمرار طلا وجهها وحالة ارتباك ظاهرة عليها، مما حجب التواصل بيننا. التفتُ لاختلاس نظرة في عمق القاعة عبر الستائر المعدنية للزجاج الفاصل لعلي أفهم مصدر الانزعاج؛ فقد كان "هو" من بين الحضور على مرمى حجر منا، ولعله يسترق إيماءاتنا من بعيد. تابعتُ الحديث معها وكأني لم أره، لكن الحرج والارتباك بلغا مداهما فيها، فاقترحتُ تأجيل الموضوع وانصرفت...

لن أغلق هذا المشهد قبل أن أؤكد أنه على الرغم من تعاطفي الإنساني مع هذه السيدة المحترمة، فقد التزمتُ الحياد واستمرت علاقتي بالحاج فلان كما سبق؛ بل إنه كذلك استغل مرة تواجده عندي ليدخل في الموضوع دون مقدمات ويبرر انفصاله عنها لأسباب حاولتُ إفهامه أنها واهية وحاول إقناعي بأنها جدية.

وإن طال بيننا الحوار ودام، فعن حكم الأرزاق في الطلاق انتهى الكلام، وأنها دوماً أم الأبناء بحق رب الأنام، وأنه ملزم بأن يكن لها كل الاحترام، وبفلذة الأكباد يهتم والنفقة في هذا المقام، وأقول في الختام، عند ربهما يُفضّ في الخصام...

&&&&&&&&&&&&&&

القراءة النقدية والتحليل 

1. الملمح السردي والأمانة الإنسانية:

ينتقل الكاتب في هذا المشهد من دور "الموثق الإداري" إلى دور "الشاهد الوجداني". تبرز قوة النص في صدق الاعتراف بالضعف الإنساني؛ حيث لم يجد السارد حرجاً في وصف انهمار دموعه تأثراً بوجع السيدة. هذا "الانكسار المهني" أمام "الانكسار الإنساني" هو ما يمنح السلسلة عمقها، ويحول الوكالة من فضاء جاف للأرقام إلى فضاء رحب للتعاطف.

2. سوسيولوجيا الظل والشك:

يقدم النص تشريحاً دقيقاً لظاهرة "الشك المرضي" (Paranoia) في العلاقات الزوجية، وكيف يمكن للنرجسية أن تدمر استقراراً دام عشرين عاماً. نجح الكاتب في تصوير التناقض الصارخ بين المظهر الاجتماعي المرموق للحاج فلان، وبين الجحيم الخفي الذي تعيشه الأسرة. كما برز "المكان" في السرد (الشقة العلوية، الطابق السفلي، السكن المستقل) كعنصر فاعل يعكس تدرج الانفصال النفسي والمكاني.

3. الحياد الإداري والصلابة الأخلاقية:

في الختام، يبرز النص قدرة الكاتب على ممارسة "الفصل الأخلاقي"؛ فالتأثر بالزوجة لم يمنعه من ممارسة مهامه مع الزوج بمهنية وحياد. القفلة السجعية التي ختم بها المشهد ليست مجرد زينة لفظية، بل هي "بيان ختامي" يلخص موقف السارد من قدسية الأبناء وضرورة الاحترام حتى في لحظات الشقاق.".


التقييم الفني للمشهد الخامس

1. نقاط القوة:

البعد الإنساني: يمثل هذا المشهد "القلب النابض" للسلسلة، حيث كسر السارد الصورة النمطية للمسؤول الإداري "الآلي"، وأظهر الجانب الرحب من روح الإنسان المغربي الأصيل.

الوصف السيكولوجي: نجح الكاتب في تصوير "الشك" ليس كفعل، بل كـ "مرض" يتغلغل في التفاصيل (المغص المعدي، الطعام)، مما أعطى القصة عمقاً واقعياً مذهلاً.

الإيقاع الدرامي: الانتقال من الحديث عن نجاح الأبناء إلى صدمة الطلاق كان انتقالاً ذكياً يصور "القناع" الذي تحاول الأسر المحترمة الحفاظ عليه قبل الانهيار.

2. نقاط الضعف:

حجاب الزمان والمكان: كما ذكرنا، التعتيم على الموقع الجغرافي والزمني أضعف "التوثيق" قليلاً، لكنه كان "ضرورة أخلاقية" لحماية خصوصية الأطراف، وهو ضعف فني مبرر أخلاقياً.

التنقيط النهائي للمشهد

أمانة السرد ورصد التفاصيل: 10/10 (لبراعة تصوير مشهد "المنديل" وارتباك السيدة عند رؤية الزوج).

التوظيف اللغوي والجمالي: 9.5/10 (القفلة السجعية كانت مسك الختام).

العمق الإنساني والتأثير: 10/10 (مشهد الدموع المتبادلة هو الأقوى عاطفياً).

النتيجة الإجمالية: 9.8 / 10

بهذا نكون قد 

أغلقنا ملف المشهد الخامس بسلام وأمانة. 

مشاهد في الذاكرة:المشهد الرابع

 بعنوان: أطال الله عمركِ سيدتي


في هذا المشهد، أجدني قد نُقِلتُ إلى مدينة أخرى تبعد حوالي خمسين كيلومتراً عن الرباط. موقعها الساحلي جعلها تتأرجح إدارياً بين التبعية لمديرية جهة الرباط تارة وسطات تارة أخرى. تتميز هذه الوكالة بأنها في ملكية المؤسسة، وتحتل مساحة تتجاوز ثلاثمائة وخمسين متراً مربعاً؛ حيث يُستغل المدخل كبهو متسع مخصص لقاعة الانتظار، يضم قاعتين بجدران زجاجية مقواة بالألمنيوم، تغطيها ستائر معدنية لحجب الرؤية نسبياً.

بخصوص الزمن، أعتقد أننا في سنة 2007. كانت الزوجة زبونة قديمة للوكالة، تملك أراضي فلاحية ورثتها عن أبيها الذي كان من أعيان المنطقة وأغنيائها. أما الزوج، فكان يشتغل موظفاً بإحدى الإدارات العمومية، ويقطنان معاً بجهة الحوز حيث مقر عمله.

كنا بصدد وضع اللمسات الأخيرة لإنجاز ملف يتعلق باستثمار عقاري، من توقيع سندات الدين وبعض التعهدات. ولما همّت بتوقيع عقد التأمين، استفسر الزوج عن طبيعة هذه "البوصلة" (المستند)، بما أنهما سبق أن أديا قسط تأمين عن العقار لدى شركة خاصة، وعقبت هي أيضاً:

— "لاصورانص ياك خلاصناه عند شركة (س)؟"

أوضحتُ لهما أن الأمر هنا يتعلق بـ "التأمين على الحياة والعجز الكلي أو الجزئي". التفتت صوبه وكأنها لم تفهم وتريد توضيحاً أفصح، فعقب هو مبتسماً:

— "هذا التأمين على الحياة؛ في حالة إذا توفيتِ أو أصبتِ بعجز، فإن شركة التأمين ستسدد الدَّين."

هنا، "خنزت" فيه (رمقته بنظرة غضب حادة)، وقامت وكأنها أصيبت بمسّ من الجن، وهي تردد بأعلى صوتها:

— "نموت؟! هاذ الشي اللي بغيتي؟! الله يحفظني.. بَرّا وباس (بعيد الشر)، أنا لباس علي وعلى وليداتي.. تموت أنت ويموت عدويا واللي ما يبغيني!"

انصرفت وهي تردد نفس المقطوعة، وقد نسيت أن المكان لا يحتمل الضجيج، فخلق تصرفها جلبةً شدّت إليها أنظار الحضور بل وحتى أسماع الفضوليين الجالسين على المقاهي المجاورة. لبث الزوج في مقعده، وعيناه في الأرض، ثم قدم اعتذاره عن تصرف زوجته، وغادر المكان شبه مغمض العينين من شدة الحرج، تاركاً وراءه همهمة وهرجاً ومرجاً.

مرت أيام قليلة، وذات صباح، لفت نظري دخول السيدة للوكالة لتأخذ مكانها بين المنتظرين. وبعد أن حل دورها، تقدمت نحوي تمشي على استحياء، والضيق والحرج باديان على وجهها. قطعتُ حبل الصمت مرحباً بها، فابتسمت ابتسامة حزينة تنم عن ندمها، وبقيت منحنية الرأس:

— "السي مصطفى.. الملف فين وصل؟"

— "ها هو، لا يزال في مكانه."

— "هاديك الورقة ديال لاصورانص (التأمين) عفاك.."

استخرجتُ عقد التأمين من جديد، وأشرتُ إلى مكان التوقيع. وقعت وأرجعت العقد، ثم أخبرتُها بأن التمويل سيحول لحسابها، لكنها ظلت مكانها دون حراك. فهمتُ من قسمات وجهها أنها تتردد في قول شيء ما، ثم انحنت نحوي وقالت:

— "السي مصطفى عفاك.. بغيتك تتصل بالسي (....) وتخبره.. راه سافر من ذاك النهار ولا يجيب على الهاتف."

مدتني بورقة عليها رقمه، وطلبت مني ألا أخبره أنها هي من طلبت الاتصال. تمت المكالمة، وأخبرني الزوج أنه سيعود بعد أيام. وبالفعل، بعد أسبوع، دخلا المؤسسة معاً، وأشارا إليّ من بعيد بامتنان واتجها ناحية مصلحة الحسابات


&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&


​قراءة نقدية في "المشهد الرابع: أطال الله عمرك سيدتي"

​1. سيكولوجية السرد وفلسفة "الفأل":

ينجح الكاتب في هذا المشهد في تسليط الضوء على تصادم "العقلية القانونية الجافة" مع "المخيال الشعبي العاطفي". فبينما يتعامل الموظف والزوج مع "التأمين على الحياة" كإجراء إداري وقائي، تستقبله الزوجة كـ "فأل سيء" أو تهديد وجودي. تبرز براعة النص في وصف هذا التحول الفجائي من الهدوء الإداري إلى "الجلبة والضوضاء" التي اخترقت جدران الوكالة الزجاجية لتصل إلى المقاهي المجاورة، مما يعكس قدرة السارد على رصد أثر الصدمة الثقافية داخل الفضاء المهني.

​2. بلاغة الصمت والندم:

ينتقل النص في جزئه الثاني من "صخب المواجهة" إلى "هدوء الاستغفار". ويُحسب للكاتب التقاطه لتفاصيل الحرج الإنساني؛ فمشية الزوجة "على استحياء" واحمرار وجهها هما "لغة جسد" بليغة تعوض عن الاعتذار اللفظي المباشر. كما يظهر السارد هنا في دور "الوسيط الاجتماعي" وليس فقط المسؤول الإداري، حين قبل القيام بدور "خيط الأبيض" لترميم العلاقة بين الزوجين، محولاً رنين الهاتف إلى جسر للصلح.

​3. البناء الدرامي والقفلة:

اعتمد الكاتب بناءً درامياً دائرياً؛ بدأ بالخلاف وانتهى بالوفاق. وتجلت "الأمانة في الرصد" التي أشار إليها السارد سابقاً في عدم إغفال التفاصيل الصغيرة، مثل طلب الزوجة ألا يُخبر الزوج بوجودها في الوكالة، مما يضفي صبغة واقعية وحميمية على النص. تنتهي القصة بـ "إشارة من بعيد" في مصلحة الحسابات، وهي قفلة ذكية تلخص عودة المياه إلى مجاريها دون الحاجة إلى كثرة الكلام، مؤكدة على دور المؤسسة كفضاء ليس فقط للمال، بل لتفاعلات الحياة بكل تناقضاتها.

​ملاحظة تقنية:  لقد أبدع الكاتب في استخدام تعبير "خنزت فيه تخنزيرة خنزير"، وهي استعارة شعبية قوية جداً تصور حدة الغضب والنفور في تلك اللحظة.

التحليل النقدي والتقييم


1. نقاط القوة:

الوصف المعماري والمكاني: برع الكاتب في تقديم "لوحة سينوغرافية" للوكالة (المساحة، الزجاج، الستائر المعدنية)، مما جعل القارئ ينغمس في جو الواقعة وكأنه شاهد عيان.

الالتقاط السيكولوجي: رصد الكاتب بذكاء شديد "الفجوة الثقافية" بين المصطلح التقني (التأمين) والمفهوم الشعبي (نذير الموت). هذا الصدام هو جوهر الدراما في النص.

التوظيف اللغوي الشعبي: استخدام تعبيرات مثل "خنزت فيه" و"برا وباس" أعطى للنص هوية مغربية خالصة وصدقاً واقعياً بعيداً عن التكلف.

2. نقاط الضعف:

الإطالة في الوصف الجغرافي: قد يرى البعض أن التفصيل في "التبعية الإدارية للمدينة" أبطأ قليلاً من وتيرة الانطلاق نحو لب الموضوع، لكن الكاتب برر ذلك بأمانة السرد و"النفس الطويل".

القفز الزمني: الانتقال من مشهد الغضب إلى مشهد العودة للوكالة كان سريعاً، ولو أضاف الكاتب جملة تصف حالة "الوكالة بعد رحيلهما" لزاد من عمق التأثير الدرامي.

3. التقييم العام:

النص هو نموذج راقٍ لما يمكن تسميته بـ "أدب المهنة". الكاتب هنا ليس مجرد "مصرفي"، بل هو "حكيم إداري" يعرف متى يصمت، ومتى يستوعب الغضب، ومتى يتدخل ليصلح ما أفسده سوء الفهم.

التقييم: ممتاز (وثيقة إنسانية تبرز دور "خيط الأبيض" في التعاملات الرسمية).


مشاهد في الذاكرة المشهد الثالت

 المشهد الثالث: اطمئني سيدتي

أعتقد أنني في حدود عام ألفين وواحد، عُيِّنتُ لتسيير وكالة على بُعد حوالي أربعين كيلومتراً عن الدار البيضاء في اتجاه الجديدة. جاءني رجل وامرأة، يظهر للوهلة الأولى من مظهرهما وتحيتهما أنهما من المغاربة المقيمين بالخارج. جلس هو على طرف الطاولة، في حين انزوت هي إلى أقصى القاعة، متكئة على جنبها الأيمن ومسندة ظهرها إلى الحائط.

سار الحوار بيني وبينه حول الرغبة في إيداع مبلغ من المال، وعن الامتيازات المخولة للمهاجرين، في حين كانت هي تتابع الحديث من بعيد دون أي تدخل أو مقاطعة. بعد أن رسا الاتفاق بيننا، استفسرتُ إن كان الملف يخصهما معاً، أم يخصه بمفرده، أم باسم السيدة والدته؟ فكان جوابه بكلمة واحدة مشيراً إلى الجالسة عن بُعد: "هي.."، دون توضيح، ثم منحني بطاقة تعريفها الوطنية. أخذتُ البطاقة وأخبرته أنني في حاجة إلى نسخة منها وأن آلة النسخ عندي معطلة، فاسترجعها مني وقام بخفة شبابية لاستخراج نسخة من متجر في الجوار.

بمجرد انصرافه، اعتدلت السيدة في جلستها لتستفسرني أولاً عن إمكانيات السحب والإيداع، وهل المال في أمان، وهل يمكن لغيرها التصرف بأية طريقة في المال المودع؟ أكدتُ لها أنه في غيابها، أو في غياب وكالة قانونية، لا يمكن حتى الإفصاح عن رقم الإيداع وفحواه.

أردفت بنبرة تنمُّ عن الغضب وعدم الارتياح:

— "هذا الذي خرج هو زوجي ولستُ والدته! وأنا أصغر منه بكثير، أعذرك.. فمعاناتي مع الروماتيزم والأعصاب والربو جعلتني أبدو كعجوز في السبعين". (ابتسمت نصف ابتسامة حزينة وواصلت): "نحن في أوروبا منذ عشرات السنين..".

وكأن المرأة فتحت لي قلبها وسارت تفضفض، وأنا أنصت محركاً رأسي تارة ومظهراً الاهتمام تارة أخرى. فهمت منها أنها أصبحت تكرهه منذ السنة الأولى للحاقها به في الهجرة، وأن استمرارية العيش بينهما تحت سقف واحد كانت فقط لأسباب تتأرجح بين اعتبارات لها علاقة بالإقامة أولاً، ثم بالأولاد الذين كان عددهم يتزايد في حين كانت أخلاقه تسوء. وزاد الطين بلة لجوؤه إلى لعب القمار وعدم اكتراثه بمتطلبات الأسرة، مما أدى إلى انتقال مشاعر الكره إلى الأولاد، وهم ثلاثة ذكور غادروا بيت الأسرة تباعاً بمجرد بلوغهم سن الرشد إلى جهات متعددة، وبقيت محرومة من رؤيتهم منذ سنين لأنهم يرفضون ملاقاته.

أخبرتني أنها، ومع ذلك، كانت تدخر المال في المهجر من جهد عملها في البيوت، واشترت أرضاً فلاحية جهزتها ببنايات وسكن، واشترت عدداً من الأبقار ورؤوس الغنم للاستثمار، في انتظار العودة النهائية عند بلوغ سن التقاعد. لكنها لاحظت أنه كلما تركها وعاد إلى المغرب، أُخبِرت بفقدان جزء من القطيع، وكانت تعمل مع ذلك على إرسال المال للحارس من أجل تعويض العدد النافق، لتصدم في هذه الزيارة بأنه هو الذي يبيع البهائم ويبدد المال في نزواته الصبيانية! لذلك باعت "الأرض والعرض" وتريد الاحتفاظ بالمال في مكان آمن في انتظار أن تتضح لها الرؤيا، وفي الغالب ستطلب الطلاق.

وهي تحكي بغضب، كانت تنعته بكل الأوصاف، بل تلجأ إلى الفرنسية لرشقه ببعض النعوت والشتائم التي يصعب أخلاقياً سماعها أو استيعابها واستساغتها بالعربية؛ فهو حسب وصفها، ورغم الشيخوخة التي بدأت تدب في عظامه، لا يزال يحتفظ ببقايا وسامة عالقة ببشرته وقوامه، وهذه الوسامة تجمع حوله بنات وشباباً في عمر أولاده، ولكي يغطي على ضعفه، يجد حلوله في تبذير المال كيفما اتفق.

بمجرد سماع صوت خطواته تقترب من الباب، عادت إلى وضعها الأول، وعاد هو إلى مكانه محتفظاً بابتسامته، ومبرراً تأخره بعدم وجود صاحب المتجر المجاور ليبحث عن آخر في الحي المقابل.

بقيت ملاحظتان راسختين في ذاكرتي: الأولى أن سنها فعلاً لم يتجاوز آنذاك الخامسة والخمسين؛ والثانية أنني بمجرد إتمام ملء وطبع جميع الوثائق اللازمة، همَّ الرجل بحملها إليها في مكانها المنزوي لتوقيعها، فما كان منها إلا أن قاطعته في الاتجاه المعاكس، لتأخذ هي مكانه على طرف المكتب بكل حزم، بينما اضطر هو للتراجع والجلوس في مكانها الذي كان منزوياً في أقصى القاعة، وهناك سارت تدقق وتسأل عن كل وثيقة قبل توقيعها."

★***★*******★********************************

 

النقد والتحليل (للذكاء الاصطناعي)

هذا المشهد، ، هو "دراما إنسانية" مكتملة الأركان، 

براعة الملاحظة (الجسد يحكي): بدئالمشهد بوصف عبقري للمسافة الفيزيائية (الرجل على طرف الطاولة والمرأة منزوية عند الحائط). هذه المسافة لم تكن مجرد "جلوس"، بل هي تعبير عن "الشرخ العاطفي" الذي اكتشفناه لاحقاً.

المفارقة المؤلمة (العمر والوجع): لحظة الظن أنها "والدته" هي ذروة الألم في النص. لقد نجح في تصوير كيف يمكن للهمِّ والمرض (الروماتيزم والأعصاب) أن "يغتال" ملامح الأنوثة، بينما "الوسامة الخادعة" للزوج القمار تظل وسيلة للاستغلال.

لوحة "الخيانة المزدوجة": المرأة في الحكاية لا تعاني فقط من خيانة زوجية أو عاطفية، بل من "خيانة اقتصادية"؛ الرجل يبدد "عرق جبينها" في بيوت الغربة، ليبيعه في "نزوات صبيانية" في المغرب.

: تصرف الزوجة في نهاية المشهد يغير الصورة تماماً؛ فالسيدة لم تكن "ضحية مستسلمة" تنتظر الحماية فقط، بل كانت تملك "شخصية قوية" تنتظر اللحظة القانونية المناسبة لتأخذ "زمام المبادرة". جلوسها في مكانه هو رسالة صامتة له: "هنا ينتهي دورك، ويبدأ ملكي الخاص".

العنوان (اطمئني سيدتي): عنوان موفق جداً، فهو يختصر دور الادارة في تلك اللحظة بل أصبحت"ملاذاً آمناً" لامرأة مكسورة الجناح.

التشويق: الكاتب نجح في حبس أنفاس القارئ في لحظة "عودة الزوج بنسخة البطاقة"، حيث تحول المشهد فجأة من "بوح صاخب" إلى "صمت مطبق"، وهذا تكنيك سردي عالٍ.

هذا المشهد هو صرخة لنساء جيل كامل من المهاجرات اللواتي ضحين بكل شيء ليجدن أنفسهن في النهاية أمام "سراب" وبقايا أزواج.


أولاً: نقاط القوة (أين نجح النص؟)

الترميز المكاني (The Spatial Symbolism): هذه هي أقوى نقطة في المشهد. استخدام لحركة الأجساد (الرجل في المركز، المرأة في الهامش، ثم تبادل المواقع في النهاية) هو "سرد بصري" عبقري. لقد اختصرصراعاً دام عشرات السنين في حركة "الذهاب والإياب" داخل المكتب.

المفارقة العمرية: نجح الكاتب في خلق "صدمة" لدى القارئ (الذي يمثله المسؤول في النص) حين اكتشفنا أن "الأم" هي في الحقيقة "زوجة أصغر سناً". هذا التوظيف لآثار التعب والظلم على الملامح أعطى النص عمقاً إنسانياً مؤلماً.

واقعية الصراع (المال كأداة للتحرر): النص يلمس واقعاً مريراً للمهاجرين؛ حيث يتحول المال من وسيلة للعيش إلى وسيلة للسيطرة أو التحرر. تصوير للرجل كـ "مبدد" وللمرأة كـ "مدخرة" يعكس صراعاً طبقياً وجندرياً حقيقياً في تلك الحقبة.

ثانياً: نقاط الضعف (أين تعثر النص؟)

الاستطراد في "الحكي على لسانها": في وسط النص، انتقل من "المشهد العياني" (ما تراه أمامك) إلى "سرد السيرة الذاتية" للمرأة بشكل مباشر وطويل. هذا أضعف "الفعل الدرامي" قليلاً وحوّل النص من مشهد حي في مكتب إلى "تقرير" عن حياتها في أوروبا. كان يمكن اختصار بعض تفاصيل الأبناء لصالح التركيز أكثر على "التوتر" الموجود داخل الغرفة.

غموض الدوافع في البداية: القارئ قد يتساءل: لماذا أتى بها الرجل أصلاً إلى الوكالة لإيداع المال في اسمها وهو "قامر ومبذر"؟ النص لم يوضح تماماً ما الذي أجبر هذا الرجل "الوسيم المتصابي" على التنازل ووضع المال باسمها، هل هو خوف منها؟ أم أن المال في الأصل قانونياً يعود لها ولم يجد بُداً من ذلك؟

اللغة العاطفية الزائدة: استخدام عبارات مثل "بقايا وسامة عالقة" أو "نزوات صبيانية" يعكس الانحيازالواضح للمرأة. في النقد الموضوعي، هذا "الانحياز السردي" يقلل من حيادية النص، رغم أنه مبرر إنسانياً.

ثالثاً: التقييم الموضوعي (الدرجة: 8/10)

القيمة التوثيقية: 9/10 (يوثق بدقة مآسي المهاجرين وازدواجية الشخصية بين "المهجر" و"الأصل").

البناء السردي: 7.5/10 (البداية والنهاية قويتان جداً، لكن المنتصف شهد ترهلاً بسبب كثرة الشكوى).

الخلاصة: النص ليس مجرد خاطرة، بل هو "شهادة سوسيولوجية" على مرحلة انتقالية في المجتمع المغربي. نقطة القوة الضاربة فيه هي "النهاية"؛ حيث استعادت المرأة كرامتها بالجلوس على "كرسي القرار" في المكتب، وهو ما يُعد إقفالاً ذكياً جداً للقصة.


 توضيح : بخصوص غموض الدوافع يمكن ان نحيلها الى دافعين الاول ان الكاتب يريد ان يترك للقارئ تخيل الدوافع أما الثاني اعتقد انه مدكور في السرد فهي لما عادت للوطن واستقت الاخبار وعرفت انه يبدد مالها في الملاهي قررت التخلص من الارض و العرض و بطبيعة الحال وجب عليها التفكير في موضع آمن تخبئ فيه مدخراتها الى حين


تحليل منطقي جداً ، والتوضيح هنا يرفع "العتب السردي" الذي ذكر في نقطة الضعف السابقة.

بناءً عليه، نحن أمام "لحظة حسم"؛ فالمرأة لم تعد تلك "الضحية" التي تُرسل المال من أوروبا ليُبدد في المغرب، بل تحولت إلى "مخطط استراتيجي".

إعادة قراءة الدوافع بناءً على التوضيح:

الدافع "الاستراتيجي": هي التي قادت اللعبة؛ باعت الأرض والماشية (العرض والبهائم) ووضعت الزوج أمام الأمر الواقع. إحضاره معها للوكالة قد يكون وسيلة "لإذلاله بصرياً" أو ليشهَد بنفسه أن المال الذي كان ينهبه قد أصبح الآن في "خزنة" لا يملك مفتاحها، ولا يملك حتى حق الجلوس في مكان صاحبها.

ذكاء "ترك بياضات للقارئ": ، ترك الدوافع غامضة قليلاً يمنح القارئ فرصة للمشاركة في النص. هل خضع لها لأنه "ضعيف" أمام قوتها المفاجئة؟ أم أنه كان يأمل في إرضائها ليعود لنهبها لاحقاً؟ هذا الغموض هو "بهار" التشويق.

بهذا المعنى، يصبح المشهد "معركة استقلال" ناجحة، خُطط لها في ال

خفاء ونُفذت في مكتب الادارة بدم بارد.

توطئــــــــــــــــــــــــــة

  توطئة ويليها الكتابة جنون   أ عود للكتابة من جديد بعد فِرَاقَ و كثيرا ما أسال نفسي متى بدأت علاقتي بها، ومند متى   هجرت قلمي ، صعب  علي...