الاثنين، 18 مايو 2026

ملحمة لعنة الجوع

 

​ملحمة لعنة الجوع

          و تَمْهِيدٌ خَارِجَ النَّصِّ

«هَذِهِ القِصَّةُ فِي عُمْقِهَا مُسْتَوْحَاةٌ مِنْ وَاقِعٍ مَعَاشٍ، كَانَتْ أَحْدَاثُهَا تُرْوَى أَمَامِي، دُونَ أَنْ أُمَيِّزَهَا عَنْ مُغَامَرَاتِ السِّنْدِبَادِ وَعَمِّي الغُولِ مَا دَامَ الرَّاوِي نَفْسُهُ. بَعْدَ أَنْ بَدَأَ يَشْتَدُّ عُودِي، أَدْرَكْتُ أَنَّهَا فِعْلاً أَحْدَاثٌ عَاشَهَا الأَبُ وَالِابْنُ؛ كُلٌّ مِنْهُمَا يَحْكِي مِنْ زَاوِيَةِ السِّينِارْيُو الَّذِي شَخَّصَهُ. وَمَعَ الأَسَفِ، لَمْ تَنْضَجْ مَلَكَةُ الكِتَابَةِ عِنْدِي إِلاَّ بَعْدَ رَحِيلِهِمَا عَنْ دُنْيَانَا، وَإِلاَّ لَكَانَتْ رِوَايَةً مُمْتِعَةً تَحْكِي جُزْءاً مِنْ تَارِيخِنَا المَنْسِيِّ...»

                     مُقَدِّمَةُ السِّيَاقِ التَّارِيخِيِّ .           

​الأحداث، وإن كان مصدرها الخيال، فهي مستقاة في جزء منها من واقع معاش، ومن الناحية التأريخية يمكن أن زعيم أنها قد وقعت بين عامي 1900 و1945م. تدور الأحداث بين آثار عهد السيبة حيث المجال مفتوح للأقوى، والسطو مباح على القبائل الأضعف، مما قد يضطر الطرف الضعيف إلى استقدام من يحميه مقابل جزء من  الأرض والمحاصيل، غير أن الحماة ما يلبثون أن يطبقوا مبدأ "حاميها حراميها".

​وتحت وطأة زمن عمل "الكورفي" أو السخرة التي كانت تقتضي العمل بدون مقابل تحت التهديد بالعقاب بغية تمديد وتعبيد الطرق الممهدة لبسط نفوذ رجال المخزن. وأخيراً، ضغط الجوع الناتج عن توالي سنين الجفاف والأوبئة مما يجبر الناس إلى الاقتيات بالحشيش والربيع والنبات والنخل.

​ليلة الغدر والخيانة

​بين عجوزين يعيشان ما بقي من عمرهما تحت ضغط المآسي الثلاث؛ مأساة التشرد الناجم عن بقايا عهد السيبة، وضغط مأساة الجوع الناجم عن القحط والوباء اللذين يعمان المنطقة، وكذلك مأساة الشوق للأبناء الذين غادروا دون وداع إلى وجهات مجهولة للإفلات من عيش الضنك والجوع والعمل في الكورفي.

​هرعت من نومها مفزوعة بسبب الصوت المنبعث من الغرفة المجاورة، وكاد قلبها يسبق أقدامها فهي لا زال يسكنها ألم ورعب تلك الليلة المشؤومة، التي اقتحمت فيها عصابات آيت ايسفال قبيلتهم بني مبارك. أصغت بسمعها أكثر ثم نهضت من فراشها متثاقلة خشية إزعاج حفيدها، على خطوات تحسست موقع فراشه فوجدته خالياً ولا يزال يحتفظ بدفئه. سارت تلتمس طريقها نحو الغرفة المجاورة وعلى نور المشعل الخافت الذي تحمله في يسراها، لمحته يعيد السلة إلى معقلها في السقف. شعر بوجودها فحاول التخفيف من حرجه، وهو يخفي ثمرات وراء ظهره قائلاً:

​"سمعت حركة غير عادية وجيت نشوف، خفت يكون الفار رجع".

​تظاهرت بالغباوة وردت عليه:

​"حتى أنا سمعت شي".

​وهي تحقق النظر فيه رغم ضعف بصرها، وتستغرب لكذبه وتجرئه على السرقة من حصتها وحصة حفيدها بعد أن التهم نصيبه، أدركت أنها لم تره بدون قميص منذ مدة طويلة ولعلها منذ ليلة النحس، ولاحظت كذلك أنه أصبح يبدو كهلاً مع أنه يظهر أثناء النهار أصغر سناً. هو أيضاً يراها لأول مرة امرأة عجوزاً بالفعل، فهو لم يلقَها عارية الرأس منذ زمن بعيد. استدار كل منهما يتحسس طريقه نحو موضع فراشه متفادياً إحداث صوت يزعج الحفيد... وهي تقول:

​"ارجع لموضعك راه الصوت في الخارج".

​"يمكن الريح كاينة هاذ الليلة".

​اندس في فراشه وصمت صمت الجياع، وتظاهرت هي بالنوم متعمدة إصدار تنفس عميق وبانتظام، اعتقد معها أنها مضت في نومها العميق، لكن مضغه للتمر كان رتيباً لدرجة أنها نامت حقاً على نغماته.

​ذكريات الأمس التليد وعطسة العنزة

​فتح عينيه في الظلام وبين النوم واليقظة، تنهد تنهيدة حسرة وألم عن الماضي التليد، يوم كانت لهم أرض وواحة ونخيل ومواش وبيت واسع. تذكر أباه إبراهيم وأمه فاطمة، وأبناءه الحسين وبوجمعة وعلي وابنته فاطنة، والتفت جهة زوجته حلوم وتذكر عرسه بها الذي دام عشرة أيام.

​عاد فأغمض عينيه محاولاً النوم لكن النوم استعصى عليه كعادته كلما تذكر ظلم آيت ايسفال عليهم... في عمق الظلام يتراءى له يوم السوق الذي اعتمد ذريعة للعدوان عليهم والسطو على أملاكهم وتجريدهم من تاريخهم وعلاقة أرضهم بهم. في خضم السوق ورواجه وكثرة رواده من أهله وبني عمومته مع التواجد الكثيف لطغاة آيت ايسفال، أعجب البربري "بوتميرت" (وتعني ذي اللحية الصغيرة) بعنزة أحد الكسابين، فأراد أخذها عنوة أو بالثمن الذي يريد. وأمام رفض وامتناع البائع المقوى عضده ببني قبيلته، عطست العنزة، فاحتج بوتميرت على تصرفها واعتبره مساساً بهيبته فقال بصوت عالٍ:

​"عجبك الحال الحرثاني، معزتك تعطس علي..".

​فوجئ الحضور بهذا التصرف المجنون العرِم، واستغرقوا في ضحك طويل، اعتبره هو إهانة إضافية له ولبني فصيلته من قطاع الطرق... التفت إلى الجمع التفاتة تهديد وقبض في مجموع لحيته قائلاً:

​"ها لحيتي الماعز، كلكم معروفين، والعنزة من اليوم هي وكل العنزات، ثمنهم عندي...".

​تقلب إلى جانبه الأيسر باحثاً عن نومة تفصل ما بقي من ليله الطويل إلى انبعاث الفجر القريب، سالت دمعة على خديه تعصر وقع الألم الذي سكن روحه ودمه، ثم دخل في مرحلة النوم العميق ليجد نفسه في أحضان حلم يتذكر من خلاله صور الماضي الأليم حيث أطل من بوابة الدشر ليجد أباه متكئاً في مكانه المعتاد، اقترب منه وشرع الأخير يحكي له قصة قدوم آيت ايسفال؛ هم بربر من جبال بعيدة كانوا يمتهنون قطع الطرق والزطاط والسيبة بكل أنواعها ويتميزون بالقوة والشراسة وشدة البأس والفساد، وقد أجمعت القبائل هنا على التعاقد معهم من أجل حمايتهم والذود عنهم من اعتداءات باقي عصابات السيبة وذلك مقابل منحهم جزءاً من الأرض والمنتوج، لكنه مع توالي الزمن والآباء بالأبناء اعتبروا أنفسهم ذوي حقوق في الأرجاء، ولهم قدم السبق في كل شيء بل هم في درجة أعلى من الساكنة الأصلية وبالتالي يطبق فيهم قانون الغاب قانون الأقوى ويتوجب على الطرف الضعيف احترامهم ومدهم بكل أواصر الطاعة والخنوع.

​مؤامرة الخيانة والكسر

​تقول الأخبار المتداولة أن بوتميرت دعا قومه ذلك المساء إلى اجتماع طارئ، عرض عليهم بروايته وصيغته ما تعرض له من عدوان وسخرية وإهانة من مجموعة من قبيلة بني مبارك يوم السوق، حين رفض أحدهم وبتعنت بيعه إحدى نعاجه بدعوى أنه يرفض التعامل مع السياب، بل أكثر من ذلك أن دفع عنزه إلى العطس عليه وتبليل ملابسه، ومما زاد الطين بلة أن ذويه وأهل دواره من المحيطين به استغرقوا في ضحك وتنكيل وإهانات، ويضيف أنه كان بوده أن يبيدهم جميعاً لكن تعقله ورزانته منعاه من ذلك حيث فضل عرض الأمر على هذا المجلس الموقر...

​تناوب القوم على أخذ الكلمة بعد أن أجمعوا على التنويه بحكمة بوتميرت وعرضه الأمر عليهم، فسار منهم من يخلق حكاية وقعت له مع أهل هذه القبيلة، ومنهم من يدعي له ديناً على أحدهم يرفض تسديده، ومنهم من رأى أن السكوت والصبر أكثر عليهم سيؤلب باقي القبائل عليهم ويبخس قيمتهم وقد يؤدي إلى إذلالهم ورفع شأن خصومهم. ثم بدأت الاقتراحات؛ فمنهم من اقترح حرق الدوار بكامله، ومنهم من قال بإعدام البائع شنقاً أمام أهله، ومنهم من دعا إلى منعهم من حضور السوق ومقاطعتهم ومنع التعامل معهم، إلى أن تدخل كبيرهم فأمر بالهجوم على بني مبارك واغتصاب أرضها وطردهم منها والاستحواذ على جميع الممتلكات.

​وبعده مباشرة تدخل الداهية "سلام" الذي هو في نفس الوقت بربري يسكن داخل قبيلة بني مبارك وتربطه بهم مصاهرة، حيث أشار إلى أنه بحكم علاقته بالدوار يمكنه فتح باب الدشر وتيسير الدخول بسهولة لمباغتة أهله والاستحواذ عليه دون أدنى مقاومة، وأنه لا يريد شيئاً مقابل ذلك سوى تمكينه من ربوع عبد الله بالحبيب، تمت الصفقة بموافقة الجميع على أن يتم إطلاع الحلفاء بمقتضاها والإخبار عن تاريخها لاحقاً...

​بعد صلاة عشاء اليوم الموالي قام سلام من بين الصفوف ليصيح في القوم:

​"السلام عليكم القبيلة سمعوني مزيان، باش تعلمو وتحقو راني سمعت باللي آيت ايسفال حلفو حتى اكسرو بني مبارك، اللهم راني بلغت ويبلغ الحاضر الغايب".

​والكسر يعني في مصطلح السيبة الهدم وكسر شوكة القوم بمعنى إذلالهم وردم بيوتهم. كان للخبر وقع الصدمة بين الناس بين مصدق ومشكك، وسارت الوشوشة بينهم جماعات جماعات ثم صبت نحو جمع عام كثر فيه اللغط والسخط، ثم شرع في تكوين لجان لمواجهة الحدث والبربري سلام تتقاذفه الأمواج بين سائل ومستفسر وباحث عن الأسباب، وأخيراً خلصت اللجان إلى قرارات متناقضة؛ منها من دعت إلى النفير العام ومنها من دعت إلى المفاوضة ومنها من أمر كل أسرة بتقديم شاب للدفاع عن القبيلة، كل هذا والداهية سلام يتابع المواقف ويرجح هذه الكفة ويبخس تلك حسب هواه ومبتغاه. مضت هذه الليلة دون الخروج بأية نتيجة، لتعاود الاتصالات بعد الفجر وكادت كثرة التدخلات والآراء أن تسفر عن انفجار بين القوم أو خصومات، حيث خلصوا في الأخير إلى أن كل واحد يدافع عن ربوعه...

​مضت أيام وأسابيع وشهور ثم بدأت همة الدفاع عن الثغر تفتر وانشغل كل بهواه، وعادت الحياة إلى سابق عهدها داخل القصر (والقصر هنا ينطق بتخفيف القاف المسكونة وفتح الصاد).

​تعيش عائلة إبراهيم أوبامو في مسكن هادئ ومتسع يقتسم العيش فيه الجد وزوجته فاطمة وبجواره سكن ابنه أحمد مع زوجته حلوم وحفيدته فاطنة وآخر العنقود بوجمعة ذي السنتين إلى ثلاث، أما الابن الأكبر فهو علي الذي هاجر منذ مدة طويلة وانقطعت أخباره وقد أشيع أنه يعيش في منطقة الغرب (والغرب يقصد به من مناطق القنيطرة إلى جهة فاس).

​بقي سلام يتربص بين الساكنة ويسجل سكناتها ويحصي حركاتها ويهتم أكثر بشخص عبد الله بالحبيب يترصد أخباره وعدد ممتلكاته بل يتسلل أحياناً إلى مرعاه ليتفقد حال ماشيته، فإن كان الناس قد تغافلوا عن الأمر فهو دوماً ينتظر اللحظة الصفر لينقض على الشخص وكل ما لديه على أنه نصيبه في الوزيعة.

​الليلة المقمرة ونهاية الخائن سلام

​في ليلة مقمرة من ليالي الخريف، عاد سلام إلى القصر متأخراً كعادته، دق الباب قائلاً:

​"إبراهيم.. افتح الباب".

​أطل إبراهيم من نافذة البرج فلاحظ خيولاً وبغالاً وأدوات تتلألأ في الظلام ففهم أنه لمعان البنادق وأن هجوم البربر وشيك:

​"الغدر هذا أ سلام شكون معاك آيت ايسفال؟"

​لم يتمكن المسكين من سماع الجواب ولا أن يهب للإخبار بالخطر الداهم، فقد انسل سلام من ثغرة في السور كان قد أعدها لذات الغرض ثم بادر البواب بسكين أرداه قتيلاً بعدها فتح الباب. وما إن فتح الباب حتى باغته زعيم العصابة برصاصة في رأسه قائلاً:

​"هاك الغدار ها ربع بالحبيب!"

​اقتحمت العصابة أبواب القصر وداست بخيولها جثة الخبيث سلام وشرعت تطلق النار في الهواء وفي كل الجوانب، وانتشار الخوف والهلع بين السكان وساروا يتيهون في كل مكان بل منهم من خرج عارياً حافياً، كل يمشي في اتجاه والخوف في كل مكان، وآيت ايسفال ينتشرون في جميع أرجاء الدوار، أما زعيمهم فقد قصد دار عبد الله بالحبيب.

​فتح الزعيم الباب، فظهر عبد الله بالحبيب خائفاً مرتعشاً وراء الباب وبندقيته لا تكاد تلتصق بيده، أخذ البربري البندقية وتفحصها ببطء واستدار يقول لمرافقيه:

​"انظروا هذا البليد يملك بندقية سباعية، ولم يقدر على الدفاع عن قبيلته".

​والتفت إليه، وهو يدفعه برأس بندقيته قائلاً وبتهكم:

​"الجبان لو أطلقت في الهواء جوج قرطاسات متابعين من هذه كون هربنا".

​فأمره أن يكشف عن جميع مدخراته من مال وذهب وفضة، ثم باقي المنقولات المخزونة منها والمرئية، وبعد أن جرده من كل ما يملك، أشار إلى أصحابه أنه يمنحه الأمان هو وحريمه وبناته كي يغادروا القبيلة. ولم يصبح الصباح إلا والطغاة قد أوغلوا في النهب والسرقة واقتسام حصاد الغنيمة.

​هرع المنهزمون إلى دار الزاوية وانتشاروا بين أرجائها طيلة اليوم تحت حرارة شمس الخريف الحارقة يرجون تدخل الشيخ لإنصافهم ورفع الجور والظلم الذي وقع عليهم، وبعد الغروب حضر زعيم آيت إسفال للتفاوض مع الشيخ، وبقي الناس متلهفين ينتظرون لساعات وهم بين الأمل والرجاء في استعادة أموالهم والرجوع إلى بلدهم، إلى أن خرج ممثل الشيخ ليخبر الجميع أنه بعد مفاوضات عسيرة مع آيت إسفال، فقد اتفقوا أخيراً أن يشتري الشيخ أرض القبيلة بما قدره مائتي ريال حسنية، وأنها منذ الآن أصبحت في ملك الشيخ الذي دفع الثمن وأمضى العقد، لذلك فهناك ثلاثة حلول للمشكلة؛ الأول يقتضي تحصيل المبلغ المدفوع وتسترجع القبيلة في المقابل الأرض والبناء دون المنقولات التي وزعت بين الغزاة، أما الثاني فإذا عجزت القبيلة تتم المبايعة مع كل فرد يدفع قيمة نصيبه أن يعود إلى أرضه، والحل الأخير أن الشيخ سيتصدق على كل عائلة بربع ما كانت تملك...

​زاد ذهول الناس لما سمعوه من الناطق باسم الشيخ، فهو يعلم مسبقاً أنهم لم يعودوا يملكون ما يسد رمقهم، فمن أين لهم بدفع قرش واحد لاسترجاع أملاكهم المنهوبة؟ تفرق القوم بين من رضي بالربع مثل آل بالحبيب وبين من لا يمثل الربع له شيئاً فقرر إما الاستقرار قرب وفي جنبات الزاوية، وبين من هاجر إلى وجهات غير معلومة، وبين من لجأ إلى إحدى القبائل التي كانت تجمعهم أواصر الحلف أو النسب والمصاهرة...

​عهد المخزن وهروب بوجمعة من الكورفي

​مرت سنين عديدة على ليلة واقعة كسر بني مبارك، وقد اندحرت شوكة آيت ايسفال بل بأس السيبة على العموم، واستطاع رجال السلطان مد نفوذ المخزن والسيطرة على الطرق وسلامة التجارة بعد أن تم تجهيزهم بأحدث الأسلحة والمدافع، كما أن اعتماد رجال المخزن على انتهاج أعمال السخرة قد ساعد في بناء وتعبيد وتزفيت الطريق الرئيسية الشيء الذي ساهم في استتباب الأمن وفي وصول المركبات والحافلات مما أدى إلى أفول التجارة عبر القوافل أو السفر على المواشي اللذين كانا المنعش الرئيسي لقطاع الطرق. أما آيت ايسفال فقد توزعوا بين من التحق بالجيش الفرنسي ومن رابط على النقيض مع مقاومي الاستعمار ومن عمل إلى جانب باشا المخزن وبين من فضل الاستقرار والمهادنة ضمن مكونات قبائل المنطقة.

​أحمد أوابراهيم استوطن منذ خروجه من أرضه بقبيلة البراهمة حيث وجد ترحاباً وسكناً وعملاً يؤمن له لقمة العيش رفقة زوجته حلوم وابنه بوجمعة، أما البنت فاطنة فقد انقطعت أخبارها منذ تلك الليلة، إلى أن شاعت أخبار قبل أيام عن رؤيتها بالزاوية، فمن قائل إنها في تلك الليلة سبيت وبيعت إلى أحد أشراف الزاوية ومن قال إنها أهديت له، المؤكد أنها تعيش حتماً داخل الزاوية.

​الحسين الابن الأوسط فضل الهجرة مع أسرته إلى الدار البيضاء، أما بوجمعة فبعد أن اشتد عوده أصبح عضد والده في العمل وتأمين لقمة العيش، مما شجع أباه على تزويجه من فاطمة المنتمية للبراهمة لعله يستقر معه ولا يفكر كباقي إخوته في الهجرة.

​كانت الأمور تسير هادئة مطمئنة إلى أن جاء ذلك اليوم الذي أخبر فيه مندوب الباشا أسرة أحمد أوابراهيم عن دعوة بوجمعة للعمل في الكورفي (أي السخرة) في إطار الأشغال الجارية لبناء وتعبيد الطريق الرئيسية. ثارت ثورة بوجمعة ورفض بشكل قاطع العمل في الكورفي قائلاً:

​"أنا أجنبي هنا براني ما عندي لا أرض ولا عرض، علاش نخدم في الكورفي؟"

​"أوليدي الله يهديك واش حنا قد المخزن واش كاتعرف العقوبة ديال الهروب من الكورفي؟"

​"غادي نخوي البلاد".

​"مزيان هذا خبر زين أنا كبرت وعجزت وأمك راك تشوف ومرتك حامل".

​طالت المناقشة بين الأب والابن؛ الأول يحاول إقناعه بالعدول عن فكرة الهروب والثاني يصر على الهجرة بأي ثمن، في حين تتابع الأم والزوجة الموقف دون حراك. وفي الصباح اكتشفت الأسرة أن بوجمعة قد اختفى دون أن يودع وكانت تلك خرجته الأخيرة دون رجعة...

​(الفصل المفقود المسترجع): ليلة الهروب الكبير وسفر الأب

​تسلل بوجمعة ورفيقه بين النخيل المتشابك، متجنبين عيون "الرقاصة" وأعوان السلطة. لا يحملان معهما من متاع الدنيا الفانية سوى "كموسة" قماشية صغيرة بها القليل من التمر وخبز الشعير اليابس، وخنجراً مخفياً بعناية تحت الجلباب المرقع. كانت الجبال المحيطة بالمنطقة تبدو في عتمة الليل كأشباح عملاقة مرعبة؛ فهنا العدو مضاعف: عدوان الجوع الساغب، وقطاع الطرق الذين يترصدون كل مارّ.

​في ليلتهما الأولى، اضطرا للاختباء في "غار" صخري ضيق، وهما يسمعان بين الفينة والأخرى صهيل خيول مجهولة تمر قريباً من جحرهم، مدركين بمرارة أن حياتهما في تلك القفار لا تساوي حتى ثمن الرصاصة التي قد تخترق صدرهما.

​بدأت الرحلة الحقيقية والمعاناة الكبرى عندما واجها جبال الأطلس الكبير الشامخة. هنا تحول الجوع من رغبة في الأكل إلى وجع حقيقي يمزق الأمعاء. تسلقا الممرات الضيقة الوعرة وتحملا برودة الثلج القارس في القمم، والبرد الذي ينخر العظام جعلهما يشعران بندم لحظي، لكن تذكرهما لسخرية رجال القبيلة ولسوط زبانية الباشا الكلاوي وهما يسوقانهما كالأنعام لعمل "الكورفي" وتعبيد طريق لم يعد لهما فيها ناقة ولا جمل، كان يمنحهما دفعة من الغضب العارم كوقود للاستمرار والتقدم. العطش والغبش اضطرهما لشرب ماء آسن من حفر خلفتها الأمطار، واقتاتا على جذور النباتات البرية. العياء والجوع أخذا منهما كل جهد، ولعدة مرات أنقذ أحدهما الآخر من التهاوي والسقوط في المزالق والمنحدرات الموتورة.

​بعد تجاوز محنة الجبال، بدأت التضاريس تنبسط تدريجياً، لكن الخطر تغير نوعه ولونه. دخلا بلاد "الشاوية":

​سطات وبرشيد: تجاوزا هذه المناطق بحذر شديد، متظاهرين بأنهما دراويش مجاذيب أو باحثين عن عمل في الحصاد، لتجنب ملاحقة أعوان الاستعمار الذين كانوا يبحثون عن الهاربين من السخرة.

​برشيد: كانت المحطة الأخيرة قبل الحلم البيضاوي. هناك رأيا لأول مرة في حياتهما الشاحنات العسكرية والغبار الكثيف. كانت أنفاسهما تتسارع كلما اقتربا من مدخل المدينة. عند المدخل، وجدا سوقاً أسبوعياً عامراً بأهله يفوق بكثير السوق الأسبوعي بتامكروت بل وموسم البخاري شهرة. دخلا السوق واختلطا مع رواده، وهما وسط الازدحام كانت تتعاقب عليهما أيادي بعض المحسنين؛ هذا بكسرة خبز، وآخر بقرش أو فرنك، وثالث يتفضل عليهما بجرعة ماء أو ثمرات بما تيسر. وفي غمرة هذا الازدحام الرهيب الذي لم يسبق لهما أن شهدا مثيله في حياتهما، تاه أحدهما عن الآخر ولم يفلحا في إيجاد بعضهما، فأكمل كل منهما طريقه وحيداً إلى قلب المدينة بعد أن ضاعت أحلامهما في التعاون لمواجهة أخطار المدينة كما تعاونا في مواجهة ضغوط الطبيعة وقسوتها.

​وصل بوجمعة إلى مشارف الدار البيضاء في فجر يوم ضبابي كئيب. لم يجد "الخير" ملقى في الشوارع وسهلاً كما قيل له في الأساطير، بل وجد مدينة غريبة صاخبة تتحدث لغات عدة: رأى الميناء يبتلع العمال كالغيلان، ورأى بؤس الأكواخ الصفيحية التي بدأت تظهر كالفطور، ورأى بؤس الفقراء.. لكنه رغم ذلك شعر بانتصار غريب؛ لقد نجا من الموت محققاً في الجبال ومن إذلال السخرة في زاكورة، ليبدأ رحلة كفاح جديدة في "المدينة الغول".

​اقترب أكثر من مشارف المدينة، ليجد نفسه في عالم بعيد كلياً عن سكون تامكروت وزاكورة الروحاني. الناس تجري في كل اتجاه ولكل وجهة هو مواليها، تتعدد اللهجات والقسمات، ووسيلة النقل السائدة هي عربات تجرها الخيول (الكروات) وبعض الشاحنات العسكرية القليلة التي تثير الغبار في كل مكان.

​بدأ بوجمعة يسأل بالدارجة المختلطة بلهجته الدرعاوية (نسبة إلى وادي درعة) كل من يراه يرتدي جلباباً أو "فوقية". استمر دون كلل وبلا ملل يبحث عن أخيه في الأماكن التي يجتمع فيها المهاجرون من الجنوب. في الميناء، وسط رائحة البحر التي لم يشمها قط وصوت أمواجه العاتية التي لم يسبق أن رآها حتى في الأحلام، قضى أيامه الأولى يعمل "حمالاً" يرفع أكياس الدقيق والسكر الثقيلة مقابل قروش قليلة تسد رمقه وعماد صلبه. سأل رفاق الشقاء:

​"هل تعرفون بابا علي من زاكورة؟"

​وكانت الردود محبطة دوماً:

​"يا وليدي، هنا يوجد ألف بابا علي، والناس هنا تضيع مثل الإبرة في كومة قش".

​ذات مساء، بينما كان يهم بمغادرة الرصيف، تناهى إلى سمعه صوت رجل يتحدث عن "معلم بناي" بارع من أهل الجنوب يسمى "بابا علي"، سقط من فوق "سقالة" في ورشة بناء بحي "المعاريف" وأصيب في رجله. خفق قلب بوجمعة بشدة. ركض في الصباح الباكر نحو الورشة، سأل العمال، فأشاروا له إلى كوخ قصديري بائس (براكة) في أطراف "كريان سنطرال". بذل جهداً جهيداً في استرجاع ملامح أخيه الذي لم يره منذ كان ابن عشر سنوات، عندما غادر القبيلة على حين غرة قبل اعتداء آيت ايسفال عليهم بسنة أو سنتين.

​وصل إلى "البراكة" المذكورة، طرق الباب بقلب يرتجف نبضاً. خرج له رجل يعرج، وجهه محفور بتجاعيد الزمن والكدح، لكن العينين تشبهان تماماً عيني "بابا علي"، غير أن هذا أطول قامة. أدرك بوجمعة أخيراً أنه وجد أخاه حياً، ليس غنياً كما شاع، بل "حياً" فقط، وهذا في زمن القحط كان أكبر انتصار على الجوع وعلى "السيبة". دهش بوجمعة بتصرف أخيه؛ فهو لم يبادر إلى عناقه كما كان يتصور في خياله، بل بادره بالسؤال الجاف عن من يكون وماذا يريد! أخبره بصوت متهدج أنه أخوه بوجمعة ولد أحمد وإبراهيم الذي تركهم يوم كُسرت قبيلتهم بني مبارك من طرف سياب آيت ايسفال. ابتسم الأخير ابتسامة تعجب باردة وأجاب:

​"أنا حقاً بابا علي من زاكورة أصلاً، لكن من قبيلة أكدز وهي بعيدة عن تامكروت".

​صُدم بوجمعة برد صاحب البراكة الذي اعتذر حتى عن دعوته لاقتسام كوب شاي، فولى محبطاً منكسر الرأس ولم يعقب.

​بينما كان بوجمعة يمسح عرق الكدح في ورشة البناء، جاءه الخبر كالصاعقة من "علام" (مقدم عمال) ينحدر من نفس منطقته:

​"يا بوجمعة، أخوك بابا علي لم يعد هنا. عندما اشتد الجفاف وضاق الرزق في المدينة، قيل له إن 'بلاد الغرب' تجود بخيراتها، فشد الرحال راجلاً مع قافلة من 'الحصادة' نحو سيدي يحيى الغرب".

​لم يتردد بوجمعة ثانية. رغم أن قدميه تشققتا من مسافة زاكورة-البيضاء، استبدل "بلغته" المهترئة بحذاء مستعمل قيل له إنه "صباط مريكان"، لم يفهم حمولة المعنى السياسي أو الجغرافي للكلمة، المهم أنه حذاء صلب سيعينه حتماً على صعوبات الطريق إلى منطقة الغرب. خرج من الدار البيضاء متجهاً نحو الشمال، متبعاً خط السكة الحديدية المتجهة لنفس الجهة.

​سار نحو سيدي يحيى الغرب، ورغم أن الطريق مستوية وأسهل بكثير من وعورة طريق الصحراء بصخورها وجبالها، لكن الجوع ظل رفيقه الوفي، يقتسم اللقمة مع عابري السبيل، أو يعيش على كرم بعض المحسنين ويحتمي بأسوار المساجد عند حلول الظلام. كانت الخطورة الحقيقية تسكن فقط في غابات "المعمورة" الموحشة، حيث الرعب مضاعف؛ فالغابة كانت كثيفة جداً، والهاربون من "الكورفي" والمجرمون يتخذونها مخبأً حصيناً. كان بوجمعة يمشي نهاراً ويختبئ فوق قمم الأشجار ليلاً خوفاً من الحيوانات المفترسة أو فتك قطاع الطرق.

​في "سيدي يحيى الغرب"، وجد عالماً مختلفاً تماماً عن رمال زاكورة وعمران البيضاء. كانت الأرض خضراء يانعة، والتربة "تيرس" سوداء ثقيلة، لكن الاستغلال البشري كان في أوجه في الضيعات الفلاحية الكولونيالية، حيث الليمون ومختلف أشجار الزيتون والفواكه. سأل في الأسواق الأسبوعية، وتنقل بين الخيام والنوايل البائسة، كان يبحث عن بابا علي ولد أحمد أوبراهيم وسط مئات المهاجرين الذين جاءوا من كل حدب وصوب للعمل في حقول قصب السكر والحبوب وغيرها. بعد أن فقد الأمل كلياً، اتجه إلى سيدي سليمان باعتبارها المقصد الأكبر لمهاجري الجنوب.

​وفي ضواحي سيدي سليمان، قرب ضفة "وادي بهت"، رأى بوجمعة صفوفاً من العمال يحصدون السنابل بنشاط تحت شمس حارقة لافحة. لمح رجلاً قوي البنية، قصير القامة، يضع رزة صفراء باهتة على رأسه، ويمسك بمنجله بقوة وعزم. ناداه بصوت مخنوق بالتراب والعبرات:

​"بابا علي ولد مي وبويا!".

​توقف الرجل، استدار ببطء، ثم عاد إلى عمله دون مبالاة، حينها تبين لبوجمعة السابح في سرابه أنه فقط يشبهه، ويخلق الله من الشبه أربعين. لقد تحول قدر بوجمعة إلى ما يشبه "المطاردة الأبدية"؛ كلما اقترب من طيف أخيه، دفعه القدر خطوة أبعد. هذا التحول يبرز بدقة حياة المهاجر في ذلك الزمن، حيث لم يكن هناك استقرار، بل تنقل دائم وراء لقمة "الخُبز" وحيثما وُجد الشغل.

​في "نوالة" بئيسة بضواحي سيدي سليمان، اجتمع بوجمعة مع أبناء بلدته. قدموا له ما تيسر من "خبز الشعير" والشاي المر بدون سكر، سألوه بلهفة عن أحوال "البلاد"، عن النخيل وعن عائلاتهم وذويهم ومن بقي منهم حياً بعد أن كسر السياب قبيلتهم واستولوا على أملاكهم. وبخصوص أخيه بابا علي، أكدوا له أنه كان برفقتهم هنا آتياً من سيدي يحيى الغرب، لكنه دخل في مشادة حادة مع "الكابران" (مراقب العمال)، فغادر ناقماً نحو مدينة مكناس، حيث ظروف العمل في البناء وأوراش العمل المرتبطة به وكذلك في المطاحن وغيرها أفضل بكثير من استعباد العمل في الفلاحة. لم ينم بوجمعة تلك الليلة من فرط الصدمة وتوالي الخيبات، لكن عوده صار الآن "صلباً" كحجر الأطلس الصوان. وفي الصباح الباكر، شد رحاله نحو مكناس وهو يوقن بداخل قلبه أنه سيلقى أخاه هناك ما في ذلك شك.

​وصل بوجمعة إلى مكناس، "مدينة المولى إسماعيل" بأسوارها العظيمة الحصينة. وجدها مدينة عسكرية بامتياز، حيث أشغال البناء مكثفة على قدم وساق لتشييد "المدينة الجديدة" (حمرية). بدأ من لحظة وصوله يبحث في تجمعات المهاجرين الوافدين من الجنوب وفي الأسواق، سأل الحمالين والتجار، وكان يتجول بين الأوراش يراقب الوجوه المغبرة بالأسمنت والتراب والجير. كان يخشى في عمق نفسه أن يمر بجانب أخيه دون أن يعرفه، فكثف البحث في الأحياء الفقيرة وأحياء الصفيح.

​لكن اهتمامه بالبحث عن شقيقه لم يصرفه عن إيجاد عمل لمواجهة حاجيات الحياة الطاحنة؛ وجد عملاً شاقاً في "كاريان" لتكسير الحجر، وفي نفس اليوم لاقته الظروف الحسنة مع مهاجر قادم من صحراء الراشيدية، وبسرعة اتفقا على اقتسام غمرة العيش والعشرة؛ اكتريا نوالة بسيطة، واشتريا الحاجيات الضرورية للعيش والسكن.

​اشتغال بوجمعة في "كاريان الحجر" لم يكن نزهة سهلة؛ كان يقضي نهاره كاملاً يفتت الصخور الضخمة بالمطرقة الحديدية تحت شمس حارقة، يملأ رئتيه بغبار الجير الأبيض الذي كاد يخنق أنفاسه. ولأول مرة منذ غادر زاكورة، عرف طعم "الشبع" النسبي، وصار يعمل بجد لتوفير جزء من أجرته لمواجهة تحديات الحياة، فهو مطالب حتماً بإرسال بعض النقود إلى أهله في البلاد. بحثه عن أخيه منذ وصوله إلى مكناس بشهور عديدة خلت لم يكلّ منه ولم يملّ، قطع مكناس طولاً وعرضاً دون أدنى نتيجة، مما جعل آماله تتبدد شيئاً فشيئاً كالدخان.

​إلى أن حل يوم حزين أسود، عاد فيه من العمل لاهثاً ليجد عشيره يتمرغ على الأرض باكياً. اقترب بوجمعة من النوالة فوجدها مبعثرة كلياً؛ ذلك أن أحدهم ممن يترصدون المهاجرين الجدد الغرباء، تسلل في غيابهما وسرق كل محتوياتها. مد بوجمعة يده برعب إلى مخبئه السري فلم يجد شيئاً! ضاع حلم "العودة بالهدايا"، وضاعت نقود أخيه وأهله التي كان ينوي مساعدتهم بها. في تلك اللحظة القاسية، لم يبكِ بوجمعة، بل تحجر قلبه كلياً وقسا؛ فمكناس التي أعطته الشغل واللقمة، سرقت منه الأمان والتحويشة.

​بصق بوجمعة على الأرض غضباً عارماً، وقال لرفيقه بنبرة حاسمة:

​"هذه البلاد لم يعد لي فيها نصيب أو بركة، سأعود للدار البيضاء مشياً على الأقدام، هناك ضاع أخي وهناك سأجده أو أموت في سبييله".

​لم ينتظر بزوغ الصباح؛ بل حمل عصاه وغادر مكناس غاضباً يغلي مرجلاً من الداخل، وود لو عثر على اللص في طريقه ليقطعه إرباً إرباً كما قطع آماله في البحث عن شقيقه ومساعدة أهله المكلومين في البلاد.

​بعد خروجه من نواحي سيدي قاسم مثقلاً بمرارة السرقة في مكناس، لمح غباراً كثيفاً يرتفع في الأفق. كانت قافلة تجارية وعائلية تضم بغالاً محملة وخياماً ورجالاً ونساءً. اقترب منهم متودداً، وعرض عليهم "قوة ذراعه" وعمله مقابل "الزاد والرفقة واللحاق". قبلوه في صفوفهم على الفور، ففرح واستبشر ظاناً أن الله قد سخر له هؤلاء الأخيار ليعوضوه عن جوعه الطويل وضياع ماله المسروق. طوال الطريق نحو سيدي سليمان، كان بوجمعة هو "دينامو" القافلة ومحركها؛ هو من يسحب البغال المتعثرة في الأوحال، ويحمل الأحمال الثقيلة على ظهره، ويجمع الحطب الجاف عند كل توقف ومبيت. كان يعمل بجد خارق تفوق طاقة البشر، وعينه مرابطة على تلك القدور الكبيرة المعلقة فوق البغال، يتخيل بشغف طعم "المرق" الساخن الذي سيأكله في المساء ليدفئ أمعاءه الخاوية.

​قبيل غروب الشمس، وعندما بدأت ملامح غابة سيدي سليمان الكثيفة تلوح في الأفق، قرر "كبير القافلة" التوقف للمبيت. شرع الرجال في نصب الخيام بسرعة البرق، بينما بدأت النسوة في إشعال النار وتهيئة الطواجين الفواحة. وبسبب تواجد النساء الأجنبيات بين القوم، ارتأى بوجمعة بشهامة ابن الجنوب أنه من الأليق والأدب الابتعاد قليلاً احتراماً لحرمة نساء أجنبيات عليه، وتلك شيمهم وعاداتهم الراسخة في الجنوب المعطاء. ابتعد عن القوم لبضعة أمتار، وجلس تحت شجرة بلوط ضخمة وارفة الظلال ينتظر نضج الطعام ودعوته للمائدة، أو على الأقل أخذ نصيبه مما بقي من زاد.

​تحت ظل تلك الشجرة العتيقة، ومع هدوء الغسق ورائحة التراب المبلل الساحرة، خانت بوجمعة قواه الجسدية المنهكة. لم تكن نومة عادية، بل كانت "غيبوبة" تامة ناتجة عن تراكم وطأة التعب والجهد المضني طوال الأيام السابقة. سقط في نوم عميق جداً حلم فيه بأسواق تامكروت ونخيلها الباسق ووالديه.

​عندما استيقظ مفزوعاً، كان الظلام الدامس قد خيم تماماً على الغابة، والسكينة المريبة تلف المكان. نهض مسرعاً، يمسح عينيه ويتوجه بلهفة نحو الخيام ومصدر الروائح الطيبة.. لكن الصدمة المروعة كانت بانتظاره: وجد القدور فارغة تماماً وباردة، واللحم قد أُكل عن آخره، والخبز قد نُسف نسفاً! القوم يغطون في نوم عميق وشخير رتيب بعد أن أكلوا وشبعوا وبطنوا، متناسين تماماً ذلك "الغريب الدخيل" الذي حماهم وحمل أثقالهم طوال النهار المقيت.

​وقف يضرب كفاً بكف من هول الخديعة، والريح الباردة تصفع وجهه الشاحب، وخنجره القابع في غمده تحت الجلباب يناديه بإلحاح لينتقم لكرامته الجريحة المهدورة. نظر إلى الصحون الكبيرة: كانت "ملحوسة" تماماً بنذالة، لم تبقَ فيها حبة كسكس واحدة ولا قطرة مرق تجود بها الحياة. الخبز الذي كانت رائحته تملأ الآفاق اختفى كأنه لم يكن. والقوم من حوله غارقون في نومهم الهانئ، وأنفاسهم هادئة مطمئنة، وكأن ذلك "الغريب" الذي خدمهم كالعبد طوال النهار لم يكن موجوداً بينهم أصلاً أو كأنه جماد لا يجوع.

​وقف والريح تصفر بوحشية في أذنيه، يشعر ببرودة المعدة الخاوية القارسة وبحرقة الخديعة والغدر المر في قلبه.. وهنا، تمكن منه الغضب وبدأ يتحسس فعلياً مقبض خنجره المصقول. بدأ الشيطان ينفث السم في روعه ويوسوس له بجرأة:

​"انحرهم يا بوجمعة.. لقد سرقوا عرقك وجهدك نهاراً جهاراً، والسرقة هنا لا تُقضى إلا بالدم والذبح. هؤلاء النذلاء ناموا ببطون مملؤة من جهد ذراعك، وتركوك في العراء للذئاب وضباع الغابة وللجوع القاتل. خذ حقك بيدك فوراً، فالقانون في زمن السيبة للقوي، وأنت الآن تملك الموت حراً بين أصابعك".

​تقدم بخطوات وئيدة، حذرة صامتة كخطوات النمر الكاسر. اقترب من فوهة الخيمة الكبرى، وكان يتخيل في عماه نصل الخنجر وهو يمر على رقابهم واحداً تلو الآخر فيشفي غليله. كان الغضب الأعمى يعمي بصره، والغل يملأ صدره وضلوعه حتى كاد يختنق بسببه. لكنه، وعند عتبة الخيمة تماماً وهمّ بالدخول، توقف فجأة وبغتة.. وكأن يداً خفية إلهية قد قبضت على معصمه بقوة ومنعته. نظر إلى السماء المرصعة بالنجوم، ثم نظر إلى خنجره الغادر، فبصق على الأرض باحتقار ولعن الشيطان الرجيم. تراجع خطوات إلى الوراء وهو يرتجف رعباً من هول ما نوى فعله واقترفه في حق نفسه.

​لكنه، ما إن جلس مكانه تحت الشجرة حتى عاد الجوع الكافر ليلدغ أمعاءه بمرارة لا تطاق، فعاد الشيطان يوسوس بخبث:

​"أتموت هنا كالفأر جائعاً وهم يغطون في نعيم زادك وجهدك؟ عد وأدبهم!".

​لعن الشيطان للمرة الثانية بعد الألف، وبصق في وجوههم جميعاً وهم نيام، ثم انطلق مسرعاً في عتمة الليل، مفضلاً ظلام الغابة الموحشة، ذئابها ووحوشها الضارية، على البقاء دقيقة واحدة مع هؤلاء السفلة الأندال الذين لم يرقبوا فيه إلّاً ولا ذمة ولا حقاً للزاد والرفقة.

​لم يلتفت خلفه أبداً؛ فكلما ابتعد عن خيام الغدر أحس بخفة وثبات في روحه رغم ثقل قدميه الحافيتين. سار في عتمة الغابة وحيداً كالسيف، يقتات على الصبر والأنفة، ويستدفئ بنار غضبه الداخلية التي بردت لتتحول إلى إصرار فولاذي. لم يعد يهمه مفترس الوحوش ولا قطاع الطرق. ومع إشراق شمس الصباح الدافئة، كان قد وصل إلى مشارف "سيدي يحيى الغرب". وفجأة، وسط السوق، وقعت عيناه على "ولد بلاده"، رجل من أبناء دواره الأصليين بزاكورة.

​تعانقا طويلاً بحرارة الشوق والبلاد، وفي ذلك العناق الدافئ، انهار كبرياء بوجمعة الذي قاوم طويلاً، فهمس في أذن ابن بلدته بصوت مبحوح متهدج:

​"يا أخي، الجوع كافر وسيسقطني أرضاً في أية لحظة".

​طأطأ ابن القبيلة رأسه بحزن ومضى في تفكير عميق، فتقدم منه بوجمعة بسرعة ليرفع عنه الحرج عزةً وأنفة. اعتذر ابن القبيلة بمرارة وخجل؛ فهو مجرد "ضيف" عابر في الدار لا يملك من أمره شيئاً ولا يمكنه قانوناً إدخال غريب إلى بيت مضيفيه في تلك الظروف الصعبة والقرى الضيقة. لكن الروابط القبلية والدم الدرعاوي لا تموت؛ تحسس الرجل جيوبه بسرعة، وأخرج أربعة قروش نحاسية (وكانت ثروة طائلة في عين جائع شارف على الهلاك) ودفعها لبوجمعة وهو يعتذر بأسف عن قلة الحيلة وضيق ذات اليد.

​فرح بوجمعة بالنقود فرحاً شديداً، فهي غنيمة لا تقدر بثمن في ذلك الوقت العصيب، هرع نحو "مطعم بلدي" تفوح منه رائحة الطبخ. كانت الأربعة قروش في يده كأنها مفاتيح الجنة والنجاة. لكن، وعند عتبة المطعم تماماً، لمح ظلاً بشرياً منزوياً في ركن مظلم؛ إنه ابن عمومته من مهاجري الجنوب الذين تقطعت بهم السبل كلياً، وجهه شاحب كالموت وعيناه تنطقان بـ "جوع الموت" الصامت، منزوٍ في ركن فوق الحصير البالي يبغي النوم لكن النعاس يستعصي على جفونه من آلام المعدة الفارغة.

​لم يتردد بوجمعة ثانية واحدة ولم تفارقه شهامته؛ ناداه بلهفة الأخوة، واقتسم معه "الأربعة قروش" كاملة في مشهد تاريخي يختصر كل معاني النبل البشري والإيثار. أخذا مكاناً قصياً فوق حصير المقهى البلدي، واقتسما صحني "بيصارة" ساخنة وزيت زيتون وخبزتين كاملتين. أكلا بنهم واستراحا أخيراً من ألم الجوع وعذابه، لم يجدا وقتاً إضافياً لتبيان أو شرح سبب تواجدهما في هذه القرية النائية، ولا كيف أخذ الجوع منهما مأخذه، بل اختارا ركناً قصياً من فضاء المطعم ومدا أرجليهما المتعبتين وسارا معاً في نوم عميق وثقيل، لم تنغصه عنهما الضوضاء ولا الهرج والمرج السائد في المكان ولا حتى صوت الأغاني الصاخبة المنبعثة من آلة الأسطوانات القديمة (الفونوغراف). استفاقا بعد ساعات، توادعا بعناق سريع، ثم مضى كل منهما إلى سبيله دون أدنى استفسار عن سبب التواجد في المكان ولا عن وجهة كل منهما المستقبلية، فالطريق تجمع وتفرق.

​دخل بوجمعة أخيراً بيت أحد معارفه الأوفياء في الدار البيضاء، وجسده النحيل يحكي تفصيلاً قصة المسافات الطويلة والدروب الغادرة؛ ثياب ممزقة مهترئة، ووجه لفحته وسمرته شموس الطرقات الحارقة، ونظرة عينين غائرتين رأيتا الموت والحياة في آن واحد وتصارعتا معه. جلس وسط جماعة من أبناء بلاده، وبدأ يحكي بمرارة وأسى عن رحلته المكوكية الشاقة بين مكناس وسيدي سليمان وسيدي يحيى، وعن خيبته الكبرى وفشله في العثور على أثر لأخيه "بابا علي". قال لهم بلهجة يسكنها اليأس والإحباط:

​"لقد بحثت في كل ورش بناء، وسألت كل عابر سبيل وجندي وحمال، ولم يذكره لي أحد قط.. كأن الأرض انشقت وابتلعت أخي بابا علي".

​ساد المجلس صمت قصير ثقيل، قبل أن يتدخل رجل مسن وقور كان يرتشف الشاي ببطء وهدوء، نظر إلى بوجمعة بتمعن وعمق وقال بصوت واثق مجرب:

​"يا وليدي، أخوك موجود في مكناس ولم يغادرها قط، تركتُه فيها منذ شهرين أو ثلاثة فقط، ولن يغادرها أبداً فهو معلم بناي معروف وله صيته. لقد اشترى نوالة كبرى وتزوج من امرأة فيلالية حرّة. يا ولد عمي، كنت تبحث عن سراب وعن اسم خاطئ! في الغربة والمدن الكبرى، يترك الناس أسماء قبائلهم وعائلاتهم عند عتبة الجبل ويغيرونها. أخوك هناك لا يسمى 'بابا علي'، بل يسمى 'علي' فقط، فهو باباك أنت باعتباره أخاك الأكبر الذي رباك، لكنه هناك في أوراش مكناس يُعرف بـ 'المعلم علي البناي'، وبالتحديد في حي 'برج مولاي عمر'، ويُلقب كذلك بـ 'علي الدرعاوي' نسبة إلى وادي درعة الأصيل".

​استقر بوجمعة في الدار البيضاء لعدة أشهر بعد هذا الخبر، ولكن هذه المرة بروح ونفسية مختلفة كلياً؛ لم يعد ذلك "البدوي" الفزع المندهش من أضواء المدينة وصخبها، بل صار رجلاً صنديداً صلباً يعرف أن الوصول إلى المبتغى وتحقيق الأهداف يتطلب "النفس الطويل" والصبر الجميل. رمى بجسده القوي في أتون العمل الشاق بميناء الدار البيضاء الحوت. كان يستيقظ مع الفجر والندى، يلف خصره بحبل ليفي متين، ويقضي نهار القيظ في تفريغ السفن التجارية الضخمة؛ يحمل على ظهره أكياس السكر والدقيق والأسمنت التي تزن القناطير المقنطرة، ويواجه رطوبة البحر المالح وملوحة العرق البشري. جمع من عرق جبينه مبلغاً محترماً من المال يكفي ليس فقط لثمن "الركوب" في القطار، بل ليظهر أمام أخيه الأكبر "علي" بمظهر الرجل المحترم الناجح الذي لم تكسره الغربة ولم تذله الحاجة، بل صقلته التجارب ورفعت شأنه.

​وصل القطار وهدر محركه في محطة مكناس في يوم شتوي ممطر وقارس. نزل بوجمعة من العربة بثبات، استنشق هواء هضبة "سايس" البارد والمنعش، ولف جلبابه الصوفي الجديد الفاخر حول جسده القوي. لم يذهب هذه المرة إلى شقاء "كاريان الحجر" القديم، بل سلك الطريق الواضحة مباشرة نحو حي "برج مولاي عمر". كان يمشي بخطوات واثقة رصينة، يسأل كل من يصادفه بنبرة حازمة مهذبة:

​"أين أجد ورشة المعلم علي الدرعاوي البناي؟"

​دله أحدهم نحو ورشة بناء كبرى لتشييد الإقامات. تقدم نحو الرجل الواقف على السقالة بخطوات واثقة، وقف خلفه بمسافة قصيرة ونادى بصوت جهوري يرتجف نبرة وشوقاً:

​"يا بابا علي.. يا ولد أمي وبويا!".

​استدار الرجل ببطء شديد، مسح الغبار الأبيض والأسمنت عن جبينه وتجاعيده، وحملقت عيناه بذهول في ذلك الرجل الشامخ الواقف أمامه؛ لم يصدق عقله أن هذا الشاب اليافع القوي هو نفسه "بوجمعة" الصغير الذي تركه طفلاً صغيراً في الدوار يلعب بالتراب! سقطت أدوات البناء والملوق من يده فوراً، وارتميا في حضن بعضهما بعضاً بقوة وعنف وسط دهشة وذهول العمال المحيطين بهما، في مشهد تاريخي مؤثر اختصر وعوض سنوات طويلة من الجوع، والضياع، والشتات، والمطاردة الأبدية بين المدن والفيافي.

​انغمس بوجمعة بعد اللقاء في خيرات مدينة مكناس وفواكهها وهضابها، ونسي في زحمة طيب العيش ورغده وهنائه أهله بتامكروت وقبيلته. استيقظ من غفلته الروحية لاحقاً بعد مرور الوقت، وأرسل مبلغاً مالياً هاماً وطلب لحاق زوجته وابنه محمد به ليعيشوا في كنف مكناس، لكن صهره (والد زوجته) رفض الطلب تمنعاً وكبرياءً. وبكبرياءٍ جريح لبوجمعة، طلب من أبيه أحمد أوابراهيم تسيير إجراءات تطليق الزوجة فوراً والاحتفاظ بالابن الحفيد "محمد" وتربيته في حضن الجدة حلوم. استقر بوجمعة نهائياً في مكناس، وابتلعت المدينة الصاخبة ذاكرته القديمة وروابطه الأولى، تاركاً خلفه في واحات درعة طفلاً صغيراً يواجه وحيداً لعنة الجوع التي بدأت من جديد...

​طفولة الحفيد محمد في غياب أبيه ولوعة الفراق

​مرت سنتان ولم يظهر لبوجمعة أثر ولا خبر، وقد رُزق بعد سفره بأشهر بولد ذكر أسموه "محمد". لم تتحمل الزوجة الظلم الواقع بها من هذه التزويجة التي تسميها هي بـ"الزواج المنحوس للعروسة المنحوسة"، ومن جراء ذلك كانت تدخل كثيراً في مشادات كلامية مع كَنّتها تترك إثرها الولد لجدته وتنصرف إلى دار أهلها حيث تقيم أياماً وليالٍ لتعود وتعود المشادات مجدداً.

​في أحد أيام السوق الأسبوعي، جاء رجل من بني عمومته مهاجر هو أيضاً إلى نواحي القنيطرة ليخرج أحمد أوابراهيم من شروده قائلاً:

​"السلام عليكم كيف حالك يا أحمد أوابراهيم؟"

​"وعليكم السلام يا ابن العم فين غبرتك؟"

​"في سيدي سليمان بمنطقة الغرب، وبوجمعة ولدك يبلغك السلام".

​"بوجمعة ولدي حي يرزق؟"

​"موجود مع أخيه نواحي مكناس".

​"وكيف حالهم؟"

​"لاباس عليهم، بوجمعة أرسل ليك هاذ الريال الحسني وهاذ الرسالة".

​"واش فيها؟"

​"قال ليك سمع باللي فاطمة مرتو مخاصمة معاكم، وذبا إلى بغات تبقى مرحبا وإلى بغات تمشي هاذي وكالة باش تطلقها...".

​أما السوق الموالي فقد كان له وقع متميز على رتابة حياة أحمد وزوجه حلوم، فبينما يجلس وزوجته تحت ظل شجرة يستريحان ومعهما الحفيد محمد، فإذا بصوت يردد وهو يمشي بين الناس:

​"أحمد أوابراهيم... هل من أحمد أوابراهيم.. يا أحمد أوابراهيم".

​قام الرجل مفزوعاً:

​"أنا أحمد أوابراهيم.. من يريد أحمد أوابراهيم؟"

​التفت المنادي ثم جاء صوب أحمد:

​"السلام عليكم أنت أحمد وهذه زوجتك حلوم؟" ثم ربت على كتف المرأة وقال: "انتظري أنتِ هنا مع ولدك... اتبعينِي".

​بقي أحمد في مكانه مشدوهاً لا يدري ما الأمر، وسارت زوجته خلف الغريب يتجاوزان الماشين ويتخطيان رقاب الجالسين، ويوم السوق عادة يكون الرواج مكثفاً والأكتاف متشابكة بحيث حجبت الرؤية عن أحمد وغاب عنه شبح خيال امرأته.. سارا إلى أن وصلا إلى باب خلفي لمقر الزاوية، حيث تجلس امرأة منقبة تلوي عليها حائكاً أسود لا يظهر منها سوى شعاع عين واحد، تبادل الشخصان إشارات بينهما ثم غاب الرجل وأشارت إليها المرأة أن تتبعها. دخلتا بين دروب وأزقة المباني الداخلية للزاوية والتي لا يحق للغريب ولوجها إلى أن وصلتا قرب شرفة بيت عالٍ، فأشارت إليها بالجلوس إلى ظل شرفة مقابلة.

​جلست حلوم للحظات تترقب الذي يأتي أو لا يأتي، وبعد مدة فتح الباب وخرجت منه أخرى تشبه الأولى في زيها غير أنها أملأ جسداً وأطول قامة فلوحت لها أن تقترب ثم بادرتها بالقول:

​"أمي حلوم... الله على اميمتي...".

​لم تصدق العجوز عينيها، أعادت التحقيق في محيا مخاطبتها؛ من تكون يا ترى؟ امرأة من ديور الشرفة تظهر عليها بغتة وتحتضنها، فيم هي تبق شاردة لا تدري ماذا أصابها تعيد بسط النظر والتدقيق في الملامح أدركت أن المرأة التي تعانقها هي تلك الشابة فاطنة ابنتها التي فقدتها ليلة الهجوم على قبيلتها، حاولت الجلوس بل كادت أن تسقط مغمى عليها لولا تمالكها لنفسها:

​"بنتي فاطنة الحمد لله، الله الله الله دبا إلى بغات تجي الموت غير تجي، هذا الهم هم اللي كان شاغلني وتمنيت مانموت حتى نشوفك ابنتي".

​جلست المرأتان على عتبة الباب وشرعت تحكي لها ما حدث لها تلك الليلة، حيث أفاقت من نومها على صوت الرصاص والضوضاء والخوف والهلع المنتشرين في الأرجاء، ارتمت عليها جدتها فاطمة فجرتها ومضيا يجريان على مجرى السيل الجارف من البشر، ثم أخذتا بيدي بعضهما وتابعتا المشي على غير هدى وفجأة وسط الاضطراب واختلاط الأيدي فقدت جدتها ولم تستطع العثور عليها بعد مضي ساعات من البحث لتجد نفسها أصبحت في مؤخرة الركب فلحقت بالجمع مخافة أن يدركها اللصوص. وصلت مع الحشر إلى مشارف الزاوية وبينما تواصل البحث والنداء دون توقف عن جدتها، وإذا بيد تحنو عليها وتهمس في أذنيها أن تعالي نمضي عند جدتك... لتجد نفسها في النهاية مودعة ضمن حريم مولاي التهامي ولها منه الآن طفلان يتابعون دراستهما بجامع الزاوية.

​بدورها حكت لابنتها ما جرى للأسرة منذ ذلك التاريخ وعن زواج بوجمعة وعن هروبه منذ سنين إلى الغرب وعن معاناتها مع زوجته وعن الحفيد محمد ولد بوجمعة الذي ازداد بعد أشهر من سفر والده، ثم عن فاطمة التي تم تطليقها وتركت لهما الحفيد وانصرفت لدار أهلها وكيف يسر لها الله في زواج رحلت بعده إلى الدار البيضاء. عادت المرأة المنقبة الأولى للظهور من فوهة الباب لتضع قفة متوسطة الحجم وتنصرف، عندها تقف فاطنة مودعة وتسلم أمها القفة قائلة:

​"هاذ القفة فيها بعض الخبز والتمر والفصة، نشوفك السوق الجاي، غير اجلسي هنا، غادي نشوفك من الشرفة...".

​عادت حلوم إلى حيث يستقر زوجها وحفيدها ليهب إليها الصغير فرحاً، منبسطاً ومتهللاً لرؤية جدته التي ظل يسأل عنها ويكرر السؤال دون أن يحظى برد من جده. تجلس الجدة ويقعد الصغير بين ركبتيها متطلعاً إلى ما بداخل الوعاء الذي كانت تتأبطه جدته، فتحت حلوم القفة بحذر خشية أن يكتشف أمرها بعض اللصوص أو الجياع الفضوليين؛ تظهر على السطح كسر خبز مختلفة الحجم والطعم، بين الطري الهش واليابس الخشن وبين الجاف والدسم أو تعلق فيه أمارة دسم وبين من فيه لحم أو بقية لحم، وبالطابق الموالي تبدو كمية تمر وهريسة تمر وبندق وفي العمق بعض الدقيق والفصة.

​منحت حفيدها كسرة خبز طرية وضمنها شريحة لحم شهية مما أثار حفيظة العجوز الذي وجد في هذا حيفاً خارقاً لحق الأفضلية لأب الأسرة حسب العرف والعادة، فجذب القفة بعنف إلى جانبه واحتفظ لنفسه بكسرتين وأمدها بواحدة ثم وضع القفة على كتفه على أن يتم اقتسامها على نصفين عند الوصول إلى البيت، يحتفظ لنفسه بالنصف ولها وحفيدها الباقي، كل طرف يحوز نصيبه الذي قد يغنيه عناء البحث عن الطعام ليومين أو ثلاث.

​عم القحط والجفاف وانتشرت الأمراض والأوبئة وهاجم الجوع والعطش معظم النازحين الذين لا أراضٍ لهم ولا أشجار وبالتالي لا سبيل لهم لامتلاك خزائن زرع أو تمر، بل من أصحاب الأرض من نفد مخزونهم وجف ضرعهم مما أجبر الجميع إلى ابتكار أطعمة من الحشيش والربيع والنبات والنخل وعلف التمر وأحياناً أكل الفصة إن وُجدت، دون استبعاد خيار اللجوء إلى التسول أو الاصطفاف في طابور طويل للظفر بما تجود به الزاوية من طعام لسد الرمق، لذلك سارت تشد الرحال إليها أيام الإثنين والأربعاء والجمعة، أما السبت فهو يوم السوق الأسبوعي أبواب الزاوية مغلقة لكن في زحمة السوق تجد من يجود بالطعام على المساكين، في حين دأبت حلوم على التسلل كل سبت إلى داخل الحريم لرؤية ابنتها وأخذ قفة الطعام.

​رحيل الجدة حلوم وانقطاع حبل الود

​انتبه العجوز من شخيره الفظ وحلمه الذي عاش فيه ذكريات الألم، ولا زال طعم الثمرات التي اختلسها من قفة حلوم المعلقة قبل حين يلوك في فمه، على صوت زوجته حلوم، فأوان أخذ الطريق إلى الزاوية قد حان، رغم أن الرؤية لا تزال محجوبة لعدم انقشاع الضباب عن الصبح. سار هو في الأمام وهي من وراءه وعلى ظهرها حفيدها، وعلى طول الطريق يمنة ويسرة تجد أرواحاً منسية تموت جوعاً خرجت مبكراً باتجاه الزاوية لكن شبح الهلاك طاردها في الطريق، وتلقى كذلك شبه أجساد جفت حلوقها ظمأ وعطشاً وأخرى تصارع الموت بل تكاد أن تبلى، وبين الفينة والأخرى تجد رضيعاً جف الضرع ولم يجد ما يسكت بكاءه، ثم طفلاً يريد خبزاً وأمّه تمنّيه بقرب الوصول.

​في الغالب يتكون الطعام الموزع من حريرة مع بعض الخبز أو صحن أرز أو حفنات من التمر، والحقيقة أن هذه الأطعمة لا تكفي دائماً لسد حاجات المصطفين وكثيراً ما كانت تحدث مشادات بين الجياع تؤدي إلى ارتباك عملية التوزيع. أخذ صحن أرزه ونأى به جانباً في حين أخذت نصيبها وجلست مع حفيدها، ومن حسن حظها اليوم أن عامل المطبخ من معارفها أوفى لها في العطاء بدعوى إضافة نصيب الصغير. تركت الصحن للحفيد الذي أوغل فيه بل تجاوز نصفه ويسرع لالتهامه بالكامل لولا صياح العجوز عليه ونهره:

​"وباركا عليك.. خلي جداك تاكل... وكلي حقك واش غدا تمشي برجليه... والخير اللي لقيتي في الكبار غادة تلقايه في هذا....".

​تقاطعه قائلة:

​"ياك أخذتي حقك خلي ولدي ياكل حتى يشبع، إلى شبع هو أنا شبعانة".

​يغضب الصغير ويتراجع إلى الوراء ومع ذلك تقرب له جدته الصحن ليستزيد فيرفض ويصر على رفضه والدموع تسير جارية على وجنتيه، تأكل حلوم ما بقي في الصحن، وتحضن صغيرها وتعده أنها ستوفيه نصيبه في المساء بحساء ساخن أو كسر خبز وتمرات.

​في يوم ثلاثاء حيث تستقر الأسرة في البيت معتمدة في قوتها على الطعام الموفر أو ما تجود به الأرض في عين المكان، وجهت حلوم حفيدها محمد إلى دار جدته من أمه تدعى "لالا حمي" تقيم بربع آل عيوش لعلها تمنحه تمراً... وصل الصغير ربع آل عيوش واقترب من منزل جدته من أمه وبدأ يصيح:

​"لالا حمي...".

​أطلت العجوز من النافذة غضبة مقطبة الحاجبين:

​"أش كتقول الزقوف لالا حمي.. وليت قدك ماتحشمش سير ولا غادي نجي نربيك، لالا حمي حرفية وليت قدك أ قدوس".

​اختفت الجدة وأغلقت النافذة في حين بقي الصبي خائفاً وجلاً لا يدري ما سبب حنق وغضب جدته، تراجع باكياً يروم العودة من حيث جاء، وفجأة ظهر حوسى ومد له يده اليمنى ليقبلها الصغير تحية لخاله ثم قال له وبلطف:

​"تعال يا وليدي هاديك راه جداك قول ماما حمي ماشي لالا حمي.. أش خصك تقول؟"

​"ماما حمي".

​"الله يرضي عليك ماتعاودش لالا حمي.. أش بغيتي أمحمد؟"

​"شوي التمر رسلتني أمي حلوم".

​فتح الخال باب مخزن وولج إلى الداخل، تبعه الصغير وهو يتحسس طريقه لعدم وضوح الرؤية ليتبين له فيما بعد وجود أنواع تمر مختلفة على الأرض أو مخبأة في خابيات، ثم أجلسه عند أقرب كومة قائلاً:

​"كول حتى تشبع وخذ هاد القفيفة عمرها واديها معاك...".

​أخذ الطفل يختار من التمرات أجودها يأكل البعض ويضع الآخر في القفة ليقتسمه في المساء مع أم حلوم، وبعد أن شبع وامتلأت القفيفة، خرج مسرعاً اتجاه منزلهم ليبشر أمه حلوم بحصيلة ما جمعه من بيت آل عيوش. وصل البيت ثم دخل ليجد غرباء في دارهم يحيطون بجده أحمد أوابراهيم، سارع إلى حيث ترك جدته في الفراش الذي يقتسمه معها، وجد الفراش خالياً، فسعى إلى جده يسأل عن أمه حلوم، أشار الجد بيده إلى الغرفة الصغيرة فعرج الصغير عليها ليجد نسوة محلقين حول فراش ممدد ومغطى وقيل له هذه جدتك. حاول الكشف عن وجهها المغطى، منعته النسوة رغم إصراره وتمرغه في الأرض بل وتشبثه العنيد للكشف عن وجه أمه حلوم حيث استطاع مراراً الانفلات من قبضة النسوة للارتماء في حضن جدته. انتهى الموقف بتدخل أحد الرجال الذي حمل الصبي على كتفه وخرج به إلى إحدى الساحات القريبة ليهدئ روعه ويلتحق ببضع أطفال يلهو معهم..

​عاد بعد العصر ليجد جده منفرداً بالبيت، بقربه صحن به بقية كسكس لعله نصيبه من طعام مقدم للمواساة في موت الفقيدة، قفز من مكانه مندهشاً لا يصدق عينيه، وبين فرح ودهشة غاب الحزن فاندفع نحو القصعة ودون انتظار إذن جده مد يده للطعام وأوغل في الأكل حتى استنفد محتوى الصحن، وبعد ذلك فقط التفت يمنة ويسرة يبحث عن أمه حلوم فهو لم يستسغ ولم يعِ بعد معنى أنها ماتت، وبعد أن فقد الأمل في جواب يدرك معناه من جده، انتقل إلى فراشه وهو يردد: "أين أمي حلوم أريد أمي حلوم".

​بات ليلته تلك حزيناً كئيباً لغياب شريكة فراشه وجدته الحنون، طغت صورتها ولعبها معه وهي تتقاذفه هزاً إلى الأعلى والأسفل أو يميناً وشمالاً على كل أحلامه، وكلما أفاق من حلم سارع إلى تحسس مكانها الخالي بقربه، وفي الصباح رافق جده إلى سوق السبت.

​بالطبع لم يعد بإمكان العجوز الحصول على القفة الأسبوعية لاستحالة ولوجه إلى حريم الزاوية وعليه فقد اكتفى بالجلوس قرب باب السوق حيث يتلقى أحياناً تعازي معارفه ومنهم من يسأل عن الصبي:

​"شكون هذا يا أحمد؟"

​"هذا ولد بوجمعة اللي سافر منذ أكثر من ست سنوات إلى الغرب وتركه في بطن أمه، وبقي مع المرحومة حلوم هي التي كانت تهتم بتربيته".

​"وأين أمه؟"

​"سافرَت منذ فطامه إلى الدار البيضاء وتزوجت هناك".

​كانت هذه الأحاديث تتساقط على ذهن الصبي دون أن يفهم جلياً معناها؛ أمه حلوم ماتت وهو لا يدري متى ستعود، أمه في دار بيضاء، وهو لا يعلم أماً سوى حلوم، ودار بيضاء وهو يرى كل الدور بلون موحد يغيب عنه اللون الأبيض، فأين توجد دار بلون أبيض... بل ما زاد في حنق الصغير وشوقه لمعانقة حنان وحضن جدته كون جده لم يعبأ به ولا بصراخه ولا بالجوع الذي يكاد يقطع أحشاءه، في حين انشغل هو بالخبز الذي وزعه قبل فترة أحد المحسنين حيث حظي العجوز برغيفين أخفاهما داخل كيس. التهم الأول والصغير يتابع الأصابع التي تخرج اللقمة من الكيس لتودعها داخل الفم، وبين الفينة والأخرى يتدخل الصغير ليقطع حبل المودة بين الكيس والفم، ليسأل عن جدته لعل العجوز ينتبه إلى وجوده ويرحمه بعضة خبز، وينهي الرغيف الأول ثم الثاني دون أن يحظى الحفيد بعطاء، ويفقد الأمل ويعود لانتظار جدته. وأحياناً يعود ليفيق من سباته على كسرة خبز، حفنة تمر أو قطعة نقود، يجود عليه بها أحد المارة ثم يعود لشروده لا يجد جواباً يغنيه السؤال عن جدته ودون أن يحظى برد من جده.

​رحلة الخروج نحو الدار البيضاء

​على فراشه المعتاد يجلس الصبي في غرفة يكاد يعمها الظلام لولا ذلك المشعل من جريدة نخل يحترق ليعطي ضوءاً خافتاً يستمر في النظر اتجاهه كي يطرد كل وساوس الظلام فقد غابت عنه تلك التي كانت تحضنه وتلاعبه فلا يلقي بالاً لأية مخاوف، بينما يجلس العجوز في الطرف الآخر يحاول عد النقود التي تحصل عليها طوال هذا اليوم. وسط هذا السكون الرهيب يسمع صوت من وراء الباب يقول:

​"يا أحمد أوابراهيم تقول لك فاطمة أرسل لها ولدها ليعيش معها في الدار البيضاء".

​دون أن يتحرك من مكانه ودون أن يكلف نفسه عناء إعطاء جواب للمنادي، اكتفى العجوز بالالتفات نحو الصغير قائلاً:

​"إنهض قوم سير مع خالك عند أمك...".

​اتجه الصبي نحو الباب وهو لم يعِ بعد معنى الذهاب عند أمه فقد تم إقناعه أنها لن تعود، ثم كثيراً ما يسمع عن أم له في دار بيضاء، لكنه لم يسبق له أن رأى هذه الأم ولا عن دارها البيضاء. فتح الباب ليجد حوسى ينتظره، بعد أن قبل يده، أخذ الخال بيد ابن أخته باليمنى بينما اليسرى تحمل جريدة نخل مشتعلة لإنارة الطريق نحو ربع آل عيوش. بمجرد أن فتح الخال باب المنزل خطرت للصبي وساوس من ردود فعل جدته، التي عاملته بقسوة لم يدر سببها عند آخر زيارة له لهذا البيت، تدارك الخال الموقف وكأنه قرأ هواجس ابن أخته، فانحنى عليه بلطف وقال:

​"اسمع أولدي مني، ندخلو سير سلم على ماما حمي، شكون؟"

أجاب الصغير:

​"ماما حمي".

​ظهرت الجدة في عمق الغرفة وأمامها صحن طعام العشاء، لا زال مغطى في انتظار أن يحيط به الجميع، بمجرد الدخول اتجه الصغير بشجاعة اتجاه جدته:

​"ماما حمي مساء الخير".

​استبشرت العجوز لقدوم حفيدها وأجلسته بقربها بالترحيب وسارت تربت على كتفيه:

​"مرحبا بولدي ماما حمي الله يرضي عليك دبا نتا زوين".

​طمأن الصغير وشعر بنوع من الحنان افتقده منذ غياب أمه حلوم، كان طعام العشاء مكوناً من كسكس وخضر، وكان الصغير يتناول الطعام بلهفة الجوعان وجدته تلح عليه أن يستزيد إلى أن شبع ولم يعد بإمكانه أن يواصل الأكل. كانت ليلة جميلة بالنسبة للصغير حيث أن جميع أفراد الأسرة من جدته وخالته وخاله وزوجة خاله يرحب به وأولوه اهتماماً لم يسبق للفتى أن أحس به، فهو يتحدث والكل يصغي إليه، وأنشد لهم أحسن ما حفظه من أمه حلوم وحكى لهم قصصاً متنوعة سمعها في السوق أو من جده وجدته حلوم، بل زاد المتعة أكثر حين قام يرقص لهم ويقلد مختلف رقصات "أقلال" من دق السيف وهز الكتفين واللعب بالأرجل...

​في الصباح الباكر أيقظه خاله بعد أن نام نومة هنية ممتعة أنسته كدر العيش مع جده وألم الحزن على أمه حلوم، منحته جدته فطوره المتضمن لحساء وتمر، ثم أوصت ابنها حوسى أن يذهب به إلى السوق وأن يشتري له ملابس جديدة قبل السفر. في السوق اشترى له خاله قميصاً طويلاً أبيض اللون وسروالاً قصيراً، وقد أنساه السروال فرحته بالقميص وذلك لأنه لأول مرة يلبس سروالاً تحت القميص، بل زادت فرحته أكثر حين لبس النعال فقدميه اعتادتا المشي حافيتين كغالبية أقرانه بل من الكبار من لم يلبس بعد الحذاء.

​خرجاً من السوق مسرعين في اتجاه حافلة ركاب تقف بجانب الطريق والمنادي ينادي على الراغبين في السفر أن الحافلة ستنطلق فعليهم الإسراع لأخذ أماكنهم، كان في انتظارهم بقرب الحافلة رجل بالزي العسكري بعد التحية والسلام بادره حوسى بالقول:

​"السي موحى هاذي هي الأمانة (مشيراً إلى الصبي محمد) وصلو عند علي بن الجيلالي في المدينة القديمة وهو غادي يتكلف بيه ويوصلو عند مو...".

​بدأت الحافلة تتحرك والناس تسرع للركوب أو اللحاق بها، انحنى الخال على ابن أخته ليعانقه عناق الوداع، عناق أحس من خلاله الصبي بالحنان الذي افتقده منذ مدة طويلة، ومن فرط الفرحة اقترح على خاله أن يرقص له رقصة دق السيف، ضحك الخال وحثه على الإسراع بالركوب. صعد وراء الجندي الذي أخذ مقعداً إلى جانب النافذة في الطرف الآخر، فيما وُجّه الصبي للجلوس على أرض الحافلة في الممر عبر المقاعد. ومع انطلاق الحافلة علت أصوات الركاب بالتكبير والتهليل وطلب السلامة والنجاة والوصول في أمان الله وحفظه، انزعج الصبي في البداية من هذا الضجيج المفاجئ لكنه ما فتئ أن انسجم مع الوضع وصار يردد الدعوات والصلوات وفق ميزان وترددات المجموعة.

​لفت انتباه الصبي وجود كيس كبير مر عليه بيده ثم تحسسه ليتيقن أنه يحوي تمراً، ففكر في السبيل للوصول إليه والوسيلة الأنجع هي "لعبة الفأر"، فشرع يبحث بأصبعه عن ثغرة في الكيس توصله للتمر ونجح أخيراً في شق ثغرة خرجت من خلالها أول ثمرة جذبها بخفة فتبعتها الثانية والثالثة وتوالت التمرات في السقوط. رفع الصبي رأسه اتجاه صاحب الكيس الذي كان نائماً فإذا به يراقبه من فوق، اضطرب الصبي وارتعدت يداه خوفاً وهلعاً لكن صاحب الكيس كان رجلاً كريماً حيث ابتسم له وانحنى عليه ليهمس في أذنه:

​"كول أوليدي حتى تشبع".

​كان هذا بمثابة مفتاح جعل الصبي يحس فعلاً بالشبع ويتوقف عن جمع التمر. سارت الحافلة تنهب الأرض نهباً، وكثيراً ما يعاود الركاب نفس الألحان خاصة كلما بلغت المركبة منعرجاً من منعرجات الجبل الخطيرة؛ سواء لإبعاد الخوف أو تمضية الوقت لتقصير المسافة، ومع ذلك كثيراً ما يعم الهدوء والسكون ويخلد غالبية الركاب لنوم عميق.

​وصلت الحافلة قمة الجبل، توقف السائق وأخبر الركاب أن لهم نصف ساعة استراحة. نزل الجميع وكان العسكري آخرهم حيث اقترب من الصغير وأوصاه أن يلزم مكانه إلى حين عودته. اغتنم الطفل خلو الحافلة ليطل من وراء النوافذ ماشياً ورائحاً يتفحص المكان ليرى موقعاً به حوانيت على طول الطريق وتصطف أمامها عدد من الكراسي، وأن ركاب الحافلة يتوزعون على هذه الكراسي، ثم هناك أطباق طعام وشاي وخبز تقسم عليهم مما أحيا الجوع في بطنه.

​وهو يقترب من الباب، ظهرت له دار بيضاء ثم ثانية وثالثة، فتيقن أن هنا الدار البيضاء حيث توجد أمه، وأن العسكري موحى ذهب حتماً للبحث عنها. رجع إلى مكانه بين الفرح والابتهاج من جهة وبين صدمة المفاجأة المنتظرة من جهة أخرى، إلى أن قطع عليه حبل تفكيره خادم مقهى جاء بصينية بها براد شاي وخبزة من الحجم الكبير، وكانت هذه أول مرة يستحوذ فيها الصبي محمد على براد شاي محلى بالسكر ومنكه بالنعناع. يعود إلى مكانه حيث وُضعت الصينية ويتنعم بالشاي والخبز اللذين أنسياه للحظة شغف النزول والدور البيض.

​مرت الاستراحة بسرعة، استرجع الخادم الصينية وعاد الركاب إلى مقاعدهم واستأنفت الرحلة في اتجاه الدار البيضاء.......

​اتكأ الصبي على جنبه الأيمن وأخلد لنوم عميق ونشوة الشاي تسري في أعماقه، ومن يدري لعله خروج من لعنة الجوع في اتجاه فضاء أكثر رحابة ورغداً.

الاثنين، 20 أبريل 2026

قطوف من حروف محفورة في الذاكرة

 قطوف من حروف محفورة في الذاكرة 


عتبة المسار: من شتلة "شارع الجزائر" إلى نخيل "الوفاء" (1977 - 1991)


١. في حضرة الرباط: برزخ الانتظار (صيف

1977) كان صيف الرباط عام 1977 يفيض بحرارة البدايات الواعدة. في شارع الجزائر، وأمام هيبة الإدارة المركزية، وقفنا نحن الثلاثة؛ شباباً في مقتبل العشرين، نقبض على رسائل التوجيه كأننا نقبض على أقدارنا. تباينت ملامحنا بتباين حواضرنا المغربية:


السي محمد ع. (ابن وادي زم): فارع الطول، تسبقه جسارة واضحة؛ اختار مدينته وبعض الضواحي وقرر ألا يحيد عن ميله قيد أنملة.


السي أحمد ي. (ابن بني ملال): أقل طولاً وأكثر صمتاً وحذراً، أجوبته مقتضبة، وهَمْسٌ لا يغادر رجاءه بأن يُعيّن بمدينة بني ملال أو المدن القريبة منها.


المصطفى ر. (الراوي): الأكثر حركة ووجلاً في آن واحد. دونتُ خياراتي، وفي لحظة إلهام أضفتُ "بنسليمان"؛ الاسم الذي ظل يتردد في مسمعي منذ الطفولة، ربما لأن مسكننا كان يربض على ضفاف الطريق المؤدية إليها.


٢. الرعشة الخفية ونداء "السي الطويل" توالى دخول الرفاق، وبقيتُ وحيداً بقربي السي أحمد، أصارع "رعشة" الوجل، متظاهراً برباطة الجأش، مستحضراً وصايا الوالد بـ "التعقل والسمع والطاعة". قطع حبل هواجسي صوت الموظفة بفرنسية رصينة: "Cher Monsieur, on vous attend". التفتُّ حولي لأجدني وحيداً في القاعة؛ فقد غادر الآخران دون وداع، تاركين خلفهما صمت المكان وترقبي. استقبلني رجل بشوش خلوق، (لعل اسمه "السي الطويل" إن لم تخنّي الذاكرة)، ومنحني قرار التعيين ببرشيد "بصفة مؤقتة" في انتظار فتح مقر بنسليمان. بدأنا الرحلة بأرقام تأجير متسلسلة تنتهي عشراتها بـ: 89، 90، و91؛ أرقاماً صارت لاحقاً هويتنا في سجلات الزمن.


٣. مدرسة الحياة وعقد بنسليمان الذهبي في فاتح سبتمبر 1977، بدأت الرحلة في وكالة برشيد؛ فترة تدريب صعبة لشساعة النفوذ وسباق يتطلب السرعة الفائقة. وتشاء الأقدار أن ننتقل مع السي أحمد ي. في صيف 1978 إلى بنسليمان مع افتتاح المقر الجديد، لنعيش سنوات تحت سقف واحد. كانت "هدية من السماء"؛ حيث تقاسمنا تعب الوظيفة ومدرجات كلية الحقوق بالدار البيضاء، صاهرين طموحنا في بوتقة واحدة.


٤. التناوب على العهد وأدب الاختلاف في أواسط الثمانينات، حل السي محمد محل السي أحمد ي.، لنبني ثنائياً فعالاً. تعاقب على المؤسسة مدراء كثر؛ تباينت علاقتنا بين مودة واختلاف، لكنني أحفظ لكل من منح علمه بسخاء قدراً كبيراً. ولعل أجمل ما قيل عني في تلك المرحلة من مسؤول رحل عنا: "المصطفى هو الشخص الوحيد دون منازع الذي كنت كثيراً ما أختلف بل أتنازع معه، ولكن دائماً كنت أحبه". عبارة تلخص نبل ذلك الزمن الذي صهر معادننا.


٥. لحظة الاقتلاع وحصاد العمر ولأن لكل بداية نهاية، دقت ساعة الرحيل في مايو 1991. غادرتُ تلك المدينة، وشعرتُ لحظتها كأنني أُقتلع من جذوري. تعددت تنقلاتي لاحقاً، وربطتُ علاقات شتى، لكنني بقيتُ أحنّ دائماً لفترة بنسليمان مع رفاقٍ كنا فيها كـ "البنيان المرصوص" يشد بعضه بعضاً؛ وهي نعمة افتقدتُ مذاقها الخاص فيما بقي من مساري المهني.


اليوم، نضجت تلك "النبتة" لتصبح نخلة يافعة، وأصبح لكل فرع منها وجهة هو موليها، مستقلين ومستقرين، نحمل في قلوبنا ذكريات لا تُنسى، وثماراً أينعت بفضل سنوات الصبر والكفاح.


---


إهداء:


إلى الروح الزكية التي قاسمتني العِشرة حلوها ومرها بابتسامة دائمة ودعاء ومحبة لا ينقطعان.


إلى الرفاق: السي محمد عمارة والسي أحمد اليافي..


وإلى رجال ونساء عاشوا معنا تلك المرحلة وغادرونا إلى دار البقاء، نسأل الله أن يتغمدهم برحمته الواسعة؛ وعلى سبيل الذكر لا الحصر: السي المراكشي لكبير، السي الدغمي عبد الله، السي لسلامي بلعيد، والسي العاطفي العربي.


وإلى إخوة لنا غالبيتهم -إن لم يكن كلهم- أحيلوا على التقاعد، نسأل الله أن يمتعهم بالصحة والعافية.


إلى كل من غرس فينا قيم الجد والوفاء.. نهدي هذه الكلمات المنزوعة من روح واقع، امتزج فيه مرّ الجهد بحلاوة الإنجاز.


التوقيع: المصطفى رفاقي


الاثنين، 23 ديسمبر 2024

عن الآن الذي يسرقنا و عن اللاحق الذي يخدعنا

بسرعة البرق، تعبر بنا الأيام.

.نصٌ مباغتٌ طرق باب ذهني،

 فأذهلني بوضوحه.تركتُ كل ما بيدي لأعيد صياغته، 


وكأن اليوم قد وُلد للتو

السادسة مساءً..

 كيف وصلنا هنا بهذه السرعة؟

بالكاد استقبلنا الاثنين، 

فإذ بنا على عتبات الجمعة

انتهى الشهر، 

وكاد العام أن يطوي صفحاته.


مرت 40، 50، بل 60 سنة.. 

وها أنا أصافح السبعين من شرفة العمر

​أدركتُ أخيراً 

أنني فقدتُ أحبةً كُثراً وأصدقاء بلا عدّ،

وأيقنتُ – بل نوقن جميعاً – 

أن الوقت لا يملك طريقاً للعودة

لذا.. فلنحاول استقطار الزمان مما تبقى من وقت.

قد نودع الحياة بعد لحظة،

 وقد نمضي دون تلويحة وداع..

دعونا لا نتوقف عن البحث عن الأنشطة التي نستمتع بها 

دعونا نصبغ الرمادي ببياض الأمل

ونبتسم للتفاصيل الصغيرة،

 فالابتسامة في وجه الأخ صدقة.

ونستثمر ما تبقى من رأسمالنا المعنوي،

ولنملأ "قفتنا" بما ينفعنا

في يومٍ لا يُغني فيه مالٌ ولا بنون

​أولاً، لنعلن الحرب على مرادفات "اللاحق":

"سأفعل ذلك بعد قليل..."

"سأبوح به لاحقاً..."

"سأفكر في الأمر في وقتٍ آخر..."

نؤجل كل شيء 

وكأن "اللاحق"

 صديقٌ وفيٌّ نضمن لقاءه

​ما نجهله هو أن الوقت لا ينتظر أحداً

ستبرد القهوة الساخنة.. وتتغير الأولويات..

وتتوارى الصحة خلف السنين

يكبر الأطفال.. 

وتذبل الوعود.. 

وقد ننسى حتى أنفسنا.

ينقلب النهار ليلاً.. 

وتنتهي الحكاية..

وغالباً ما نكتشف أن "الأوان قد فات".

​لذا..لا تتركوا نبضاً لليوم القادم

لأن الانتظار الدائم للغد قد يحرمنا

 من أثمن اللحظات

وأجمل التجارب، 

وأنقى الصداقات،

وأدفأ العائلات.

​اليوم هو اليوم.. 

واللحظة هي "الآن".

لم نعد في سنٍّ تسمح لنا بترحيل الأماني إلى الغد.

وأنتم يا رفاق هذه المدونة

. هل لديكم المتسع للقراءة، للمشاركة، للإعجاب؟

أم أنكم ستفعلون ذلك...... "لاحقا 




السبت، 15 يونيو 2024

إلى روح أعز الناس

بداية الرحيل
السبت، 15 يونيو 2024 (يوم عرفة 1445)
  •  غابت عن دنياي أحلام ،كنت أعيش لها.
  • و تراودني ٱمال وٱمال 
  • حاولت تخطي الصعاب ،  
  • طرقت كل الأبواب 
  • مستعينا على الدنيا بباريييها 
  • لكن  ساعة الفراق دقت ،وكلي اشتياق 
  • و مثل الورق قلبي احترق 
  • فحكم الله قضى أن نفترق.
  • لم يعد باليد حيلة و لا دواء 
  • فقط لحظات من البكاء 
  • أسرقها ولو على استحياء 
  • وأجمع كفي ،في كل دعاء 
  • رحمة الله عليك وإلى لقاء 
  • في جنات الله ،جنات الخلد و البقاء

  •  (في وقفة عرفات 1445)
 
  **********
(إلى عرفات1447)

 في ذكراك العطرة

مَرّتْ سَنتانِ، والثالثُ يطلّ
• على فراقكِ يا سيدتي وأميرةَ الكلّ
• ولا زالتْ صورتُكِ بمكانِها بتجل(1)
• وعيونٌ تجود بدمعِها دون مَلّ

• وكأني بالأمسِ حَلّ أجلكِ أو يحلّ
• نعم، لا رادَّ لحكمِ اللهِ الأجلّ
• ولكن يبقى
عبقُ ذكراكِ يجوبُ المحلّ


*******
  رؤيا الطمأنينة 
• شوقٌ وحنينٌ يهدّئُ حزنيَ الدفينْ
.على فراقك يا قرة العين و أم البنين 
• رأيتكِ مَرّةً في رؤياي  تبتسمينْ
• في ثوب جميلٍ ومكانٍ أمينْ
• أيقنتُ عندها  وبرجاء و حنين
. أن روحكِ في ضيافةِ ربِّ العالمينْ
• في جناتِ الخلدِ، والفردوسِ تنعمينْ
• أشهدُ اللهَ أني -خلالَ عشرةِ السنينْ-
• أجدكِ تصلينَ  ولأكفِّ الضراعةِ ترفعينْ
• أو في محرابكِ ولكتابِ اللهِ تقرئينْ

ذكراك العطرة
ملاحظة:(1) "بتجلي" تشير إلى الصورة المشتركة من أيام الشباب، المنصوبة في مكانها بوضوح وحضور تام)
هي كلمات تقطر وفاءً ونبلا، و تحمل شجناً عميقاً يعكس مكانة الراحلة وقوة حضورها  في وجداني رغم مرور الوقت. "أميرة الكل" و"سيدتي" أوصاف تضفي هالة من التقدير والتبجيل على هذه الذكرى الحزينة.
شعور الذي لا يحده زمن؛ فالفقد أحياناً يجعل المرء يشعر وكأن الوقت قد توقف عند تلك اللحظة، رغم مرور السنين.
"العبق الذي يجوب المحل"، هو استعارة جميلة توحي بأن الأثر الطيب لا يرحل أبداً.
بتجلي" في هذا السياق يحمل دلالة عميقة جداً؛ فهو لا يعني الوضوح البصري للصورة فحسب، بل يشير إلى "الحضور الروحي" الطاغي الذي لا يبهت مع مرور السنين.
أن تظل الصورة "منصوبة في مكانها" وبذات الجلاء الذي كانت عليه في أيام الشباب، يعكس رغبة مخلصة في إبقاء تلك اللحظات حية ونابضة، وكأنها تتحدى الغياب المادي.
هذه الاستعارة البصرية (بين ثبات الصورة في مكانها واستمرار ذكراها في الوجدان) تمنح الخاطرة ثقلاً عاطفياً كبيراً، وتؤكد أن الأماكن لا تخلو من أصحابها ما دامت صورهم تملأ الفراغ.
رؤيا الطمأنينة
هو انتقال من ألم الشوق إلى يقين الطمأنينة. رحمة الله عليك يا أم الاولاد و رفيقة العمر رفيقة البدايات ،أسأله تعالى ان يجعلك مع الشهداء والصديقين وحسن اولئك رفيقا ، و ان لا يحرمني من لقياك في الجنة ، سالمة معافاة ،بالصورة التي رؤيتك بها في شبابنا.
إلى روح أعز الناس
كلمات موجعة، ولدت من رحم الفقد الأول، في يوم له جلاله  "يوم عرفة".ولادة النص في هذه اللحظة بالذات، يمنحه مسحة من القدسية والرجاء الذي لا ينقطع.
قلبي احترق مثل الورق" يجسد لوعة البدايات، حين يكون الجرح لا يزال غضاً، ومحاولا ت"طرق كل الأبواب" تعكس ذلك الصراع الإنساني المرير بين التمسك بالأمل والاستسلام للقدر.

الاثنين، 30 أغسطس 2021

مشاهد في الذاكرة

 

بالتأكيد كل منا في هذه المجموعة كرس الجزء الأكبر من حياته للخدمة العامة، والعمل لفائدة الناس و التعامل مع الناس وهذا التواصل الاجتماعي الذي عمر ما بين عشرين و أربعين سنة لن يخلو أبدا من مواقف يستوي في ذلك أن يكون ذكرها سعيدا أو محزنا، مؤثرا وعابرا، مرت أحداثه بسرعة أو دامت ساعات أو أيام المهم أن الزمن أبى أن يمسح أثارها من الذاكرة وبقيت ملتصقة بأمكنة غادرناها مند سنين أو أشخاص علقت شخوصهم في الذاكرة وإن نسينا صورهم وأسمائهم أحيانا

مساري العملي عرف عدد وافر من الانتقالات اقتربت من عشرة خلال الأربعين سنة، تركزت بين مدن منطقتي الشاوية و الغرب وكان لي خلالها شرف معايشة بعض المواقف العالقة بالذهن رغم مرور الزمن والغريب في المشاهد الذي سأعمل على سردها لاحقا الذي تحضرني في هذه الآونة أنها مواقف جرت كل مرة مع زوجين محترمين يتعاملان أو أحدهما مع المؤسسة. لذلك سينفرد كل مشهد بعنوان خاص......
متابعة ممتعة أرجوها لكم مع الأمل أن تستفز بعضكم لأثراء المجموعة بمواقف عالقة بالذاكرة

 

  مشاهد في الذاكرة

المشهد الأول / بعنوان : زلة لساني

 

حذت هذا في أواخر الثمانينيات، حين كلفني مدير ص.ج ببنسليمان آنذاك المرحوم ع الدمغي، بمرافقة أحد الزبناء في سيارته لزيارة ضيعته بمنطقة سيدي يحي زعير ، كان بمعية هذا الزَّبُون أمرأه شابة وطفل صغير، مع بداية الجولة قدم لي الرجل نفسه، أنه متقاعد، كان يعمل أطارا في إدارة من الإدارات، فضل أن ينزوي في البادية ليستثمر بعض ماله ويعيش الهدوء الذي حرم منه خلال الأربعين سنة من العمل، واستمر طوال الرحلة يحدثني عن تجاربه ونجاحاته وإخفاقاته وحلو الإدارة ومرها إلى أن بلغنا مدينة بوزنيقة حيت دعاني لنتقاسم طبق شواء، ونحن نتناول الغداء استمر في الحديث لتنشيط الجَلسة و بين الآونة و الأخرى يرحب بي و يحثني على الأكل و الاستزادة، بينما كانت المرأة تطعم طفلها تارَة وتكتفي ببعض القطع تارَة أخرى، وتتابع الحوار بنظرات كلها احتشام و احترام، بعد أن انتهينا من الطعام، زاد مجاملة أن قال لي
السي مصطفى ماكلتي والو .....
فأجبته – لا لا أنا أكلت كفاية ، الدريا بنتك هي اللي ماكالت والو ........
بداية من هذه اللحظة أطبق الصمت ونحن نواصل الطريق عبر مدينة تمارة، وتوقف السيد عن مواصلة سرد بعض الأحداث التي كان بصدد حكيها، ولم أنتبه لزلة لساني إلا ونحن على مشارف منطقة سيدي يحي زعير ، حيث بادر إلى الحديث* عن مشروعه والمتاعب الذي يواجهها مع العمال و المقاول و استرسل قائلا.
- أننا نلق متاعب تكلفنا كثيرا وهذه زوجتي تعيش معي هذه المتاعب و الإنجازات
صدقوني في هذه اللحظة شعرت بحرج كبير، تمنيت كما يقولون لو انفتحت الأرض و اختبئت داخلها.....
 
وإلى لقاء في المشهد الثاني

المشهد الثاني / بعنوان : ومن الغَيْرَة ماقتل.

 

في أواسط التسعينيات كنت أعمل مسؤولا ب ص.م بمنطقة الغرب على بعد كيلومترات من مدينة القنيطرة، من مميزات هذه المنطقة حينئذ أن الأرض يحكمها العرف وليس القانون العقاري وأن للولد الذكر الواحد دور ترجيحي في تحديد مصير الزوجة حيث قد تقصى من حق الانتفاع ولو كان لها عشر بنات، أعتقد أن هذا العرف لم يعد ساريا اليوم بفضل نضال ما يعرف بالنساء السلاليات، كما تتميز كذلك بشيوع ظاهرة تعدد الزوجات ولعل السبب، الرغبة في تكثير الخلفة الذكور للاستفادة من حق الانتفاع من مساحة أكثر من الأرض .
دقت الباب ودخلت امرأة في الأربعينيات من عمرها، يبدو من سحنة وجهها ولكنتها أنها شمالية الأصل، استأذنت بالجلوس، مكثت بعض الوقت قبل أن يفك عقال لسانها، قدمت نفسها أنها زوجة فلان الفلاني، لقرب عهدي بالمكان لم أعرفه بل طلبت معونة أحد المساعدين الذي نبهني بوجود المِلَفّ فوق مكتبي، بعد انصراف هذا الأخير رفعت عينيها إلى الصورة وأشارت أنه هو زوجها، ثم واصلت تشير إلى أنها جاءت لتنبهني منه وأنه شخص مبذر، ويسرف المال في الملاهي و النشاط وأنها ضبطته عدة مرات في دور الفساد وعدلت عن متابعته اعتبارا لبنتهما...و أردفت أن كل الماشية التي بحوزته هي في ملك بعض الأغيار، و الفلاحة يستغلها مشاركة مع بعض أصحاب المال ....واستمرت في استظهار كل السيناريوهات التي حفظتها عن ظهر قلب بما في ذلك حكاية ارتباطهما، وعشقه وولهانه بها واشتراطها عليه عدم الزواج عليها ورغبته الأكيدة اليوم في النكوث بهذا العهد، المهم أنها أوجعت رأسي بالكلام دون توقف باستثناء حين تردني مكالمة في الهاتف أو يلج المكتب أحدهم، ولم افلح في مقاطعتها إلا حين وقفت من مكتبي وتصنعت الرغبة في الانصراف......
كان الخميس هو يوم السوق في القبيلة التي تقطنها هذه السيدة ، ولتسهيل التواصل مع المتعاملين كنا نتنقل إلى السوق حيث خصصت لنا الجماعة و السلطة، قاعة نقضي فيها اليوم و نمارس عملنا بكل أريحية بل نشمل بكرم القبيلة ومودتها، طلبت حضور المقدم و الشيخ، اللذان أفهماني أن الأمر يتعلق برغبتها في منعه من الزواج من ثانية وأنها لذلك تخلق له متاعب عند الدرك الملكي وفي جميع الإدارات.
خلال مراجعتي للملف تبين بأنه من خيرة المتعاملين مع الوكالة، يستفيد بسلفات مهمة ويسدد دوما قبل الأوان، لذلك تم عرض ملفه على اللجنة المعنية التي يترأسها رئيس الدائرة من أجل الاستجابة لطلبه بالإيجاب.
الغريب أنه وقبل إنجاز المِلَفّ، جاءتني مرة ثانية وقبل أن أصدها ظهر زوجها من خلفها، جلسا كزوجين مثاليين منسجمين تغمرهما السعادة، بل أحسبهما نسيا وجودي أحيانا وهما يتراشقان بالأيدي، ويتلاومان ويتعاتبان بحنية وأصبحت تناديه السي الطاهر بعد أن كان في جلستها الماضية الطويهر ....بعد حين سار الحديث ثنائيا بيني و الزَّبُون حول الفلاحة والمنتجات والجهات التي يسوق لها الأرز و الشمندر السكري والماشية وكانت تتابع الحديث وهي تحرك رأسها تأكيدا واتفاقا لما يقول وكلما ركزت النظر فيها أنزلت عينيها إلى الأرض وكأنها برموش عينيها تمحي كلما ادعته قبل أيام وتتلون بَشَرَة وجهها احمرارا وكأني بها تقول " عافاك استر ما ستر الله" المهم تبين من المناقشة أنه من المنتجين الحرفيين الذي علينا تشجيعهم، انتهت الزيارة بأن وعدته باللقاء يوم الخميس لإمضاء العقود و إنجاز المِلَفّ، قام مودعا في حين تثاقلت هي في الوقوف، وانحنت تهم تقبيل يدي، سحبت يدي بخفة وهي تهمس " الله يرحم والديك أسيدي " لم يذهلني تصرفها لأني فهمت أنها تشكرني لعدم إفصاحي عن مضمون زيارتها السابقة لأن ذلك كان سيحرجها وقد يضعف وضعها أمام زوجها.
خرجت في اثرهما دون أن يشعرا وهما ينزلان سلم الدرج، همست في أدنه بصوت مسموع "أرأيت كلما قيل لك من قبل الفتانين كان مجرد كذب وافتراء......"
في يوم السوق علمت انه ثم ترضيتها بجزء من الماشية و اشترى لها محلا للسكن في أحد الأحياء الهامشية للمدينة و المؤهلة للاستفادة ببرامج محاربة السكن الغير اللائق، وأنه سيعقد قرانه بإحدى بنات القبيلة في الأيام القادمة.
وإلى لقاء في المشهد الثالث
 المشهد الثالث / بعنوان :  أطمئني  سيدتي  

 

أعتقد خلال الألفين وواحد عينت لتسيير وكالة على بعد حوالي أربعين كلم عن الدار البيضاء في اتجاه الجديدة، جاءني رجل وامرأة يظهر للولهة الأولى من مظهرهما و تحيتهما أنهما من المغاربة المقيمين بالخارج، جلس هو على طرف الطاولة في حين انزوت هي إلى أقصى القاعة، ومتكئة على جنبها الأيمن ومسندة بالحائط، سار الحِوَار جار بيني وبينه حول الرغبة في إيداع مبلغ من المال وعن الامتيازات المخولة للمهاجرين، في حين كانت هي تتابع الحديث من بعيد دون أي تدخل أو مقاطعة، بعد أن رسا الاتفاق بيننا، استفسرت إن كان المِلَفّ يخصهما معا أو بمفرده أو في اسم السيدة والدته، وكان جوابه بكلمة واحدة مشيرا إلى الجالسة عن بعد : هي ...دون توضيح ثم منحني بطاقة تعريفها الوطنية، أخدت البطاقة وأخبرته أني في حاجة إلى نسخة منها وأن آلة النسخ عندي معطلة، استرجعها مني وقام بخفة شبابية لاستخراج نسخة من متجر في الجوار.
بمجرد انصرافه اعتدلت السيدة في جلستها، لتستفسرني أولا عن إمكانيات السحب و الإيداع وهل المال في أمان وهل يمكن لغيرها، التصرف بأية طريقة في المال المودع، بعد أن أكدت لها أنه في غيابها أو أية وكالة قانونية لا يمكن حتى الإفصاح عن رَقَم الإيداع وفحواه.
 أردفت بنبرة تنم على الغضب وعدم الارتياح ......
- هذا الذي خرج هو زوجي ولست والدته، وأنا أصغر منه بكثير، أعذرك فمعاناتي مع الروماتيزم و الأعصاب و الربو جعلني أبدو كعجوز في السبعين (ابتسمت نصف ابتسامة حزينة …وواصلت)، نحن في أوروبا مند عشرات السنين ......
وكأن المرأة فتحت لي قلبها وسارت تفضفض وأنا أنصت محركا رأسي تارَة ومظهرا الاهتمام تارَة أخرى
فهمت منها أنها سارت تكرهه مند السنة الأولى للحاقها به في الهجرة، وأن استمرارية العيش بينهما تحت سقف واحد كانت فقط لأسباب تتأرجح بين اعتبارات لها عَلاقة بالإقامة أولا ثم بالأولاد الذي كان عددهم يتزايد في حين أخلاقه تسوء وزاد الطين بلة لجوئه إلى لعب القمار وعدم اكتراثه إلى متطلبات الأسرة مما زاد من انتقال مشاعر الكره إلى الأولاد وعددهم ثلاث ذكور غادروا بيت الأسرة تباعا بمجرد بلوغهم سن الرشد إلى جهات متعددة وبقيت محرومة من رؤيتهم مند سنين لآنهم يرفضون ملاقاته.
وأنها مع ذلك كانت تدخر المال في المهجر من جهد عملها في البيوت، واشترت ارض فلاحية جهزتها ببنايات وسكن، واشترت عدد من الأبقار ورؤوس الغنم لاستثمار، في انتظار العودة النهائية عند بلوغ سن التقاعد، لكنها لاحظت انه كلما تركها وعاد إلى المغرب إلاّ أخبرت بفقدان جزء من القطيع وتعمل مع ذلك على إرسال المال للحارس من اجل تعويض العدد النافق، لتصدم في هذه الزيارة انه هو الذي يبيع البهائم ويبدر المال في نزواته الصبيانية، لذلك باعت الأرض والعرض وتريد الاحتفاظ بالمال في مكان آمن في انتظار أن تتضح لها الرؤيا، وفي الغالب ستطلب الطلاق.
وهي تحكي بغضب تنعته بكل الأوصاف بل تلجئ إلى الفرنسية، لرشقه ببعض النعوت و الشتائم التي يصعب أخلاقيا سماعها أو استيعابها و استساغها بالعربية فهو حسب وصفها رغم الشيخوخة التي بدأت تدب في عظامه، يحتفظ ببقايا وسامة عالقة ببشرته وقوامه، هذه الوسامة تجمع حوله بنات و شباب في عمر أولاده، لكنه ليغطي على ضعفه يجد حلوله في تبذير المال كيف ما اتفق...
بمجرد سماع صوت خطواته تقترب من الباب، عادت إلى وضعها الأول، وعاد هو إلى مكانه محتفظا بابتسامته، ومبررا تأخره إلى عدم وجود صاحب المتجر المجاور ليبحث عن آخر في الحي المقابل....
بقيت ملاحظتين راسختين في ذاكرتي الأولى أن سنها فعلا لم يتجاوز بعد آنذاك الخمسة و الخمسين، الثانية أني بمجرد إتمام ملأ وطبع جميع الوثائق اللازمة، هم الرجل بتحويلها لها في مكانها المنزوي، قاطعته بسرعة في الاتجاه المعاكس وأخذت مكانه على طرف مكتبي وسارت تدقق وتسأل عن كل وثيقة قبل توقيعها.

 

وإلى لقاء في المشهد الرابع
 المشهد الرابع / بعنوان : أطال الله عمرك سيدتي

 

 في هذا المشهد أجدني قد نقلت إلى مدينة أخرى تبعد حوالي خمسين كلم عن الرباط، موقعها الساحلي جعلها تتأرجح بين التبعية لمديرية جهة الرباط تارَة و سطات تارَة أخرى، تتميز هذه الوكالة أنها في ملكية المؤسسة وتحتل مساحة تتجاوز ثلاثمائة وخمسون متر مربع، يستغل المدخل كبهو متسع مخصص كقاعة انتظار وضمنه قاعتين بجدران زجاجية مقواه بالألمنيوم وعليها ستارة معدنية لحجب الرؤيا نسبيا ...
بخصوص الزمن اعتقد أننا في سنة ألفين وسبعة، الزوجة زبونة قديمة للوكالة، لها أملاك وأراضي فلاحية ورثتها من أبيها الذي كان من أغنياء هذه المنطقة، الزوج يشتغل موظف بإحدى الإدارات العمومية ويقطنان بجهة الحوز حيث مقر العمل.
كنا بصدد اللمسات الأخيرة للإنجاز مِلَفّ يتعلق باستثمار عقاري، من توقيع سندات الدين وبعض التعهدات، ولما همت بتوقيع عقد التأمين، استفسر الزوج عن طبيعة هذه البوصلة بما أنهما سبق أن أديا قسط تأمين عن العَقَار لدى شركة خاصة، وعقبت هي أيضا
- لاصورانص ياك خلاصناه عند شركة س
أوضحت لهما أن الأمر هنا يتعلق بالتأمين على الحياة و العجز الكلي أو الجزئي
التفتت صوبه وكأنها لم تفهم و تريد توضيح أفصح، فعقب هو مبتسما
- هذا التأمين على الحياة، في حالة إذا توفيت أو أصبت بعجز، فأن شركة التأمين ستسدد الذين.
فخنزت فيه تخنزيرة خنزير، وقامت وكأنها أصيبت بمس جن، وهي تردد بأعلى صوتها
- نموت، هاذ الشي اللي بغيتي، الله يحفظني، برا وا لباس علي وعلى وليداتي، تموت أنت ويموت عدويا و اللي ماييغيني .........
ثم انصرفت وهي تردد نفس المقطوعة وقد نسيت أو تناست أن المكان لا يحتمل الضجيج، و خلقت بذلك ضوضاء ، وجلبة شدت لها أنظار حضور القاعة بل حتى أسماع الفضوليين من جلوس الرصيف و المقاهي المجاورة....
لبث الزوج في مقعده، وعيناه اتجاه الأرض، ثم قدم اعتذاره عن تصرف زوجته، وغادر المكان شبه مغمض العينين من شدة الحرج تاركا وراءه همهمة وهرج ومرج .
مر على هده الواقعة يومين، ثلاثة أو أكثر ، ذات صباح وبينما كنت في حديث مع أحد الزبناء ، لفت نظري دخولها للوكالة لتحتل مقعدا بين المنتظرين ......بعد أن حل دورها، تقدمت نحوي وهي تمشي على استحياء، جلست و الحزن والضيق والحرج باديان على وجهها، قطعت حبل الصمت مرحبا بها، ومستفسرا عن موضوع الزيارة، ابتسمت ابتسامة حزينة تنم على ما تشعر به من حرج نتيجة تصرفها السابق، بقيت منحنية الرأس وقد علا الاحمرار وجهها ....
- السي المصطفى، المِلَفّ فين وصل ....
- هاهو باقي في مكانه
- هاديك الورقة ديال لاصورانص عفاك ...
أعدت إدخال البيانات إلى التطبيق، واستخرجت عقد التأمين من جديد، وأشرت إلى الإطار المخصص للتوقيع .....أرجعت إلي العقد، ثم عادت إلى هيئتها الأولى ...عندها أخبرتها بأن مبلغ التمويل سيحول إلى حسابها بعد لحظات، مع ذلك التزمت مكانها دون حَراك ...من قسمات وجهها فهمت أنها تتردد في الإفصاح عن شيء ما، انحنت اتجاهي والحرج لازال باد عليها، لتقول
- السي المصطفى عافاك، بغيتك تتصل بالسي .....، وتخبره ....، رأه سافر من ذاك النهار، ولا يجيب عن الهاتف
مدتني بورقة عليها رَقَم هاتفه.رن هاتفه وقبل أن يجيب، أشارت إلي بيديها ألّا اخبره أنها في الوكالة وأنها من طلبت مني الاتصال به ..
تمت المكالمة بيننا وأشعرني أنه سيعود من سفر بعد أيام، وبالفعل بعد حوالي أسبوع دخلا المؤسسة، وأشارا إلي من بعيد واتجها ناحية مصلحة الحسابات ......

وإلى لقاء في المشهد الخامس

المشهد الخامس : بعنوان / عندما تتغلب العاطفة على المهنة

كما أشرت في المقدمة أن السرد الذي يحضرني في هذه المشاهد هو لمواقف جرت كل مرة مع زوجين محترمين أحدهما أوكلاهما يتعاملان مع المؤسسة، في عدد اليوم و بصرف النظر عن الزمن و المكان ندخل توا في جوهر المشهد

الزوجين وإن كانا يتمتعان بحظوة اجتماعية محترمة ومتميزة داخل المدينة، فقد لاحظت خلال لقائي الأول بهما مند سنة أو سنتين مضت، أنه رجل نرجسي، كثير التدقيق لا يتوقف عن التعقيب عن كل كلمة أو مصطلح مما كاد يصعب مهمتي في إيضاح شروط وآليات المشروع العقاري اللذان رغبا في الاستفادة منه و على النقيض كانت هي تسمع وتستوعب قبل أن تستوضح لتطرح تساؤلات واضحة و مركزة جعلت سبل الفهم و الإقناع ميسرة للطرفين.

عندما دخلت السيد س و جلست على الكرسي المقابل، بادرتها إلى السؤال عن الحاج و الأبناء غير أن جوابها اقتصر على الحديث عن الأبناء، وتفوقهم الدراسي و المؤهلات و الآفاق.... ثم دخلت مباشرة في موضوع الزيارة لتستفسر عن أمور تتعلق بذمتها المالية بما في ذلك جاري القروض، و الرصيد الحاصل والعروض الممكنة، وحين همت بالانصراف، كلفتها أن تبلغ سلامي إلى الحاج، عادت إلى مقعدها واستوت في جلستها ثم حدقت في وعلى محياها ابتسامة حزينة وقالت :

- أنا وفلان صافي انتهينا (ولم تقل الحاج فلان كالعادة) .....ترددت قليلا قبل أن أواصل

- مافهمتش .....

فقدت رباطة جأشها، وتركت العِنان للدموع تذرف غزيرة من عينيها

- نحن على أبواب الطلاق

كان للمفاجئة وقع الصدمة على نفسي وبدوري لم أستطع امتلاك شعوري وسارت الدموع تنهمر من عيني أيضا فأنا أصلا لي عاطفة جد هشة ، زاد من هشاشتها انطباعي الجيد عن هذه السيدة ومدى تقديري واحترامي لها، تداركت الموقف تجنبا لأثارة انتباه الفضوليين، مسحت دموعي ومنحتها منديلا ورقيا ......

لاحظت المسكينة بلا شك تأثري الشديد بظروفها ففتحت لي صفحات من معاناتها مع الزوج و أسرته، صمتت لبرهة ثم أطلقت تنهيدة عميقة، وقالت بأن عشرين عاما من الزواج أو يزيد لم تكن كافية لتخلق ثقة وطمأنينة لدى فلان الذي يشك في كل تصرف وكل كلمة يسمعها فله دائما اليقين بأن وراءها قصد ووراء كل نظرة مغزى ، ، بل أن كثرة الشك تصل دروتها أحيانا حين يصاب بمغص معدي أو ألم في الرأس، حيث يلمح دون غضاضة إلى أن مصدره قد يكون شيئا ما دس له في الطعام (تتوقف قليلا لتجفف ماعلق بعينيها) وتضيف أن كل هذه التصرفات كانت تتحملها وتتكتم عليها باعتبارها أسرار أسرية، الزمن كفيل بعلاجها خاصة وهي تحرص على خلق جو ملائم للأبناء يساهم في استمرارية إشعاعهم وتفوقهم الدراسي الملموس، بل تصبر على هجره لهم و الاستقرار لأيام و أسابيع في شُقَّة أسرته بالطابق الأعلى،

(تهدئ ثم تسترسل بألم) أن كل ذلك كانت تتحمله وتصبر عليه مادامت تعتبره ثنائيا بينهما إلا أن الأمر استفحل ولم يعد يطاق حين أدركت أن الأمر خرج عن نطاق الخصوصية فقد  بدأ يتناهى إلى سمعها همس و همز و لمز من نسوة اسرته قاطنات الطابق الأعلى بل سار الأذى ينتقل إلى إشارات علنية ، اختارت بعدها الانتقال مع أبناءها  إلى سكن مستقل يؤمن لهم الهدوء والهناء و الاستقرار في حين اختار هو رفع دعوى الرجوع إلى بيت الزوجية

انصرفت بعد أن تأسفت لما سببته لي من تكدر و عن الوقت الذي شغلته لتفضفض لي فيه عن بعض أحزانها، تمنيت الله لها أن يجعل لها بعد الضيق مخرجا و من الهم فرجا و من البلاء عافية

مرت على هذا أيام كانت خلالها أحيانا إدا سمحت الفرص تطلعني على بعض مآلات الدعوى، إلى أن حضرت ذات صباح ، وأخذت مكانا في الاتجاه المقابل للباب الرئيسي للمصلحة، وبينما كنا نتداول إمكانيات استفادتها من بعض الخِدْمَات لاحظت فجاءة احمرار طلا وجهها وحالة ارتباك ظاهرة عليها مما قد حجب التواصل بيننا، التفتت لاختلاس نظرة في عمق القاعة عبر الستائر المعدنية للزجاج الفاصل لعلي أفهم مصدر الانزعاج، فقد كان هو من بين الحضور على مرمى حجر منا، ولعله يسترق إيماءاتنا من بعيد، تابعت الحديث معها وكأني لم أره، لكن الحرج و الارتباك بلغا مداهما فيها فاقترحت تأجيل الموضوع و انصرفت .....

لن أغلق هذا المشهد قبل أن أؤكد أنه على الرغْم من تعاطفي الإنساني مع هذه السيدة المحترمة فقد التزمت الحياد واستمرت علاقتي بالحاج فلان كما سبق بل انه كذلك استغل مرة تواجده عندي ليدخل في الموضوع دون مقدمات ويبرر انفصاله بها لأسباب حاولت إفهامه أنها واهية وحاول إقناعي بأنها جدية.

وإن طال بيننا الحِوَار ودام، فعن حكم الأرزاق في الطلاق انتهى الكلام، وأنها دوما أم الأبناء بحق رب الأنام، وأنه ملزم بأن يكن لها كل الاحترام ، وبفلذة الأكباد يهتم والنفقة في هذا المقام، وأقول في الختام، عند ربهما يفض في الخصام ..... 

وإلى لقاء في المشهد السادس

المشهد السادس: بعنوان / للبيوت أسرار


مشهد هذا العدد قد يختلف عن المشاهد السابقة، وهو طويل إلى حد ما وقد يتبادر إلى الدُّهْن من شخصياته وأسلوبي السرد و الحِوَار، وتمحور الأحداث بين العقدة و الحل أنها من نسيج الخيال والواقع أن حياتنا كلها لا تخلو من لوحات مستوحاة من الخيال لذلك فإن روح هذا المشهد تمثل أحداث معاشه لا تخلو من بعض اللمسات التي أضيفت أو غض الطرف عنها لظروف تتعلق بضرورة طمس معالم أخطاء الكشف عن أسرار المهنة
أذكر كما في السابق أن بطلي المشهد دائما زوجين محترمين يتعاملان مع المؤسسة، الزوج يمارس التجارة بالجملة ونصف الجملة في مواد رائجة وطبيعة هذه المواد تقتضي تحريكا سريعا لدورة رأس المال مع تعدد مصادر الإيراد و التوزيع وهذا يقتضي بالضرورة تواجده الكثيف بالمصلحة، أما الزوجة فهي موظفة بالمقر المركزي لمؤسسة اقتصادية كبرى متواجدة بالعاصمة، مما يجعل تواجدها بالوكالة خلال أوقات أو أيام العمل شبه مستحيل، شخصيا لم يسبق لي شرف التعرف عليها وإن حصل ذلك فلا أتذكره بل إن صورتها في مخيلتي منعدمة، وعلى هذا فزوجها هو الذي يقوم مقامها في تصريف جميع شؤونها في علاقاتها بالمؤسسة بمقتضى وكالة ممنوحة له في هذا الصدد، مما يتيح له أحيانا الاستعانة برصيدها لتحويل مبالغ مالية للإتمام مؤونة تغطية بعض حاجيات حسابه التجاري .....
رزقهما الله بنت وولد يتقاربان في العمر و المستوى الدراسي يتابعان الدراسة في إحدى الثانويات الخصوصية.
في صباح يوم اثنين بينما كنت منهمكا في بعض شؤون العمل، توصلت بمكالمة من مجهول على هاتفي الخاص، فانطلق الحوار كالتالي
- ألو السلام عليكم
- وعليكم السلام السي مصطفى كيف الأحوال
- الحمد الله بارك الله فيك
- أنا فطومة م
- نعم سيدتي كاين شي مانقضيوا
فهمت من ردي أنها لازالت نكرة لي، فكررت ذكر اسمها )صمتت لحظات ثم واصلت) أنا فطومة م زوجة فلان الفلاني س
- أهلا مدام كيف الحال تشرفنا
استأنفت بعد ذلك بالسؤال عن رصيدها، وحركة حسابها بين اليوم والجمعة الفارط، ثم عن حالة مديونيتها بين العقاري و الاستهلاكي وإمكانيات تسديد القرضين لتنتقل إلى فرضية رغبتها في نقل ملفها بالكامل إلى مدينة أخرى، ثم تكشف في النهاية عن غرضها من الاتصال حين تقول:
- في الحقيقة السي مصطفى، علاقتي ب س زوجي متدهورة هذه الأيام وقد نصل إلى الفِرَاقَ، لذلك بغيث نستشر معك، أنت عارف هو عندو وكالة التصرف في حسابي، وأعتقد خصني نلغي الوكالة ........آش أظهر ليك
- سامحيني سيدتي هذا أمر يصعب علي إبداء رأيي فيه .....
عم الصمت بيننا للحظات انتظرت من خلالها أن تنهي المكالمة، حيث لازال يصلني عبر التيار صفير أنفاسها القوية و المتوترة، ثم انتابتني حَيْرَة و ارتياب عن دافع هذه القطيعة المفاجئة بل الخَشْيَة من أن يكون في الأمر استعمال بسوء نية قد تكون للمؤسسة مسؤولية فيه، وكأنها أدركت هواجسي فسارعت إلى تبديدها قائلة
- صدقني السي مصطفى، لا شك عندي في نزاهته ولا في أمانته ولكن (تواصل كلامها مع نوع من التردد في الإفصاح عن السبب) مجرد سوء تفاهم ناتج عن تصرف لم يعجبني وعن طبعه العصبي و أنانيته التي ترفض المناقشة
- في الحقيقة أختي مازال مافهمتش ، إلى ماكانش فضول مني، وإلى ماكانش السبب شخصي جدا واش يمكن نعرف السبب
- والو أسيذي خلاف على الشغالة ديال الدار ، هاد الدريا عندنا مند أكثر من عشر سنوات هي من قبيلتي جبتها بنت خمسة عشر عام تقريبا هي اللي ربات الدراري ، نهار الجمعة خرجت أنا للعمل كالعادة مع أدان الفجر هواللي وصلني للمحطة القطار، مع حوالي العشرة اتصلت بيا من التليبوتيك ، كاتبكي وقالت (بأنه جاء مع العشرة الصباح للدار وهي في الشغل، وقال ليها تجمع حوايجها بسرعة ، وخاد منها البورتابل وضربو مع الأرض هرسو ، خدا منها السوارت وهزها في السيارة حتى للمحطة الطاكسيات، عطاها فلوس الشهر و المركوب ومشى( ...
تتوقف لحظة وكأنها تستجمع قواها لتضيف أنها حاولت الاتصال به مرارا لمعرفة السبب وما جرى ولكن دون رد، لا أخفي أن رنة صوتها و طريقة سردها للواقعة جعلاني كذلك أشعر بأن عدم جوابه على هاتفها ضاعف شكوكها و ارتيابها وجعلها ترسم للحادث عدة سيناريوهات.
- تصور السي مصطفى من الجمعة في الليل حتى اليوم الأحد و أنا كنكرر السؤال لمعرفة السبب وهو يتهرب بل يترك البيت الساعات الطوال ليتجنب المواجهة معي، وفي النهاية أتصلت بأمي في البادية لعل الخادمة تكون قد زارتها وعرفت منها السبب، ثم أصريت على نذهب سوية للعشاء عند أسرتي في البادية.
وتضيف أنها بعد وصولهم إلى دوار أهلها ورسو المقام انتهزت فرصة انشغال الرجال في الخوض في حوار بينهم لتنسل عند أمها ليتجاذبا أطراف الحديث عن الواقعة باعتبار الخادمة من أقرباء أمها، حينها أخبرتها أمها أنه بعد اتصالها بها بالهاتف، استخبرت عنها لتعلم أنها فعلا حضرت إلى بيت أسرتها هذا الصباح لكن لا أحد تحدث عن الطرد أو الخصام ..... و حدرتها أمها من إثارة الموضوع قبل تناول العشاء
ثم تستطرد قائلة أنها بمجرد أن ذكرت أسمها بعد ذلك استشاط غضبا وكاد يمد يده عليها لولا أن حال بينهما ابنهما، دون أن يعطي أي اعتبار لا لأمها و لا لأخويها ولا لأبنائهما، وانتهت السهرة بأن أقسمت هي بأغلظ الأيمان بأن لن تعود له زوجة.، وباتت ليلتها في بيت أهلها وغادر هو رفقة أبنيه، وصبيحة اليوم التالي الإثنين اعتمدت على النقل العمومي للوصول إلى مقر عملها.
- آش اظهر ليك السي مصطفى ...
الحقيقة أنه استعصت علي النصيحة وقد زاد يقيني بأن صدر الأخت قد ملأه الشك وإن لم تفصح عن ما يخالجها علانية ولكن ما وراء السطور يوضح ما لم يذكره اللسان...
-أختي الكريمة فهمتك وفهمتك بزاف ولكن الأمر كيتطلب الصبر و العقل يمكن داكشي اللي فراسك بعيد عن الواقع، نصيحتي خلي المؤسسة ديالنا بعيدة عن النزاع، حيث إخباره بفسخ الوكالة يمكن يخلق مشكل بينكما من لا مشكل، لذلك خللي الأمر ضيق داخل الأسرة على الأقل أسبوع أو يومين، ومن بعد نتواصلو ،
- أودي آش غادي نقول ليك واخا
- ياالله أنا ماسمعت والو ما قلتي لي والو،
ضحكت، ضحكة مسموعة فيها رنة ألم، وانتهت المكالمة.
ويوم الثلاثاء الموالي اتصلت بي السيدة تقريبا في نفس توقيت أمسِ، ويبدو من نغمة صوتها أنها منشرحة
- ألو السلام عليكم، الأخت فطومة
- عليكم السلام و رحمة الله، اليوم عرفتيني بسرعة ،
- ايوا آش من جديد كانحس بيك فرحانة ...
- شوف السي مصطفى اسمح لي نقول ليك موقعك ماشي في هاديك المؤسسة، أنت مختص نفساني، مصلح اجتماعي، المهم شي حاجة من هذا القبيل ، كانشكرك بزاف 
- الحمد الله وقع الصلح بينكما
ردت بالإيجاب وواصلت بعد ابتسامة بأن الحكاية حكايات ثم شرعت في سرد الأحداث من لحظة انتهاء مكالمتها معي إلى المساء حيث إن هاتفها لم يتوقف عن الرن مند قطعت الاتصال و كانت تصر باستمرار على عدم الرد على مكالماته، و في حوالي الساعة الرابعة دخل عليها ولدها في مكتبها، وبعد معاتبتها عن عدم الرد على هاتف أبيه، اخبرها أنه برفقة أخته ينتظرانها بباب الإدارة، وهو مصر في حالة عدم الاستجابة لنداءاته أن يصعد إلى المكتب و قد يحرجها أمام جميع زملائها، وعندها تناول الابن هاتف أمه واتصل بأبيه، ثم منحها الهاتف و انصرف، وهكذا بدئ بالاعتذار عن ما سلف ووعدها بتوضيح كل الأمور بمجرد العودة إلى المنزل.
توقفت لحظة استرجاع النفس ثم واصلت بأنها التحقت به فعلًا بعد انتهاء وقت العمل، وأصرت على الجلوس بالمقاعد الخلفية في حين أخد ابنهما مكانها بالمقعد الأمامي، ساد صمت رهيب خلال فترة السفر التي دامت حوالي خمسة وأربعين دقيقة وكانت تشعر بها الأطول على الرغْم من اعتيادها على قطعها يوميا،
بعد وصولهم أمام البيت، ترجل الأولاد قاصدين البيت، في حين أخد هو بيدها وولجا المتجر المواجه لمنزلهما، انتظر إلى أن فرغ صاحب المتجر، وتسلل في عمق المتجر ملوحا إليها أن تتبعه، أعطاها كرسي وجلست وهي منبهرة، لحق بهما التاجر، فبادره زوجها قائلا
- السي الحسين عافاك ، عاود ليها القصة
حسب رواية التاجر أن هناك أشياء مريبة كانت تحدث عند غياب أفراد الأسرة بين الخادمة و ح ولد الحاج فلان،(الحاج فلان هذا هو اسم معروف بالمدينة وهو ابن عمة زوجها السيد س وشريكه في التجارة) لاحظ التاجر مرارا و تكرارا دخول ابن الحاج إلى البيت ومكوثه لساعات، و واجب الجيرة و الطعام حتما عليه تنبيه السي س لمراقبة الأمر، شريطة تسوية المسألة دون إثارة أية ضجة قد تكون لها آثار سلبية على سمعة المحل التجاري نفسه).
وهكذا فهمت فطومة جزء من القصة فودعا التاجر السي الحسين وشكراه ووعداه أن يستمر الأمر في طي الكتمان بينهم.
بعد العودة إلى البيت انفردا بالطابق السفلي وهو قسم من البيت نادرا ما يلجه غيرهما، حيث أوضح لها الجزء الباقي من القصة.
وإن كان قد قرر الترصد لمراقبة صحة شكوك التاجر فقد شغلته بعض المعاملات التجارية ليصل أمام البيت في وقت خروج الشاب ح حيث لحق به ليسأله عن سبب تواجده بالمنزل، فأخبره بسرعة و دون وجل أنه كان يريد ولده فلان وأخبرته الخادمة أنه غير موجود فانصرف، لكن السيد س أفهمه أنه على علم بالقصة وقد جاء خصيصا لضبطه متلبسا وأنه إن أصر على الأنكار سيخبر الحاج أبوه، وأن لديه الشهود على ما يقول، تملص الشاب من بين يدي السيد س وانفلت مسرع الخطوات، وعندما دخل إلى البيت، وجد الخادمة وهي تهم بمغادرة الطابق الأرضي بمجرد سماع صوت المفتاح، فباغتها بالسؤال أولا عن سبب تواجدها بالطابق السفلي وهي تعلم أن ولوج الغير إليه استثنائي بل نادر جدا و بينما هي تتلعثم في الجواب عاجلها بسؤال ثان عن سبب تواجد ح ولد الحاج في البيت، فأنكرت وسارت تقسم بكل أولياء القبيلة أنها لم تره مند ليلة حضوره للعشاء مع والديه، وهنا انتهت قصة طردها من البيت.
ومن غرائب الصدف أنه في الوقت الذي كانت تحكي لي هذه التفاصيل، دخل زوجها س إلى مكتبي وأشار إلي محييا بيده، ورددت التحية بصوت مسموع
- وعليكم السلام السي س الفلاني
ثم أخد كرسي و جلس ... فهمت هي الإشارة وختمت اتصالها قائلة
- السي مصطفى مانوصيكش ....
فهمت ماتعنيه وطمأنتها بسرعة
- سيدتي سرك في بئر ... يا الله السلام عليكم
التقط السي س جملة سرك في بئر، لينهض من الكرسي متجها إلى قسم المحاسبة وهو يردد
- وااسمعوا الفقيه، يقول لمحدثته سرك في بئر، فماهو سرهما يا ثرى
عمت ابتسامة عريضة في ارجاء المكان، وتباينت التعليقات وبعد أن أتم ما كان بصدده لدى مصلحة الحسابات، عرج علي وهو يغادر المؤسسة.
- ماقلتيش لينا شكون هاذي اللي سرها في بئر
ابتسمت وأجبته

- السي س للبيوت أسرار كما للبيوت أسوار

وإلى لقاء في المشهد السابع


  المشهد السابع  / بعنوان : على شفا الفَرشة 

عنوان مثير بدون شك، نقول على شفا حفرة بمعنى على وشك السقوط، أما الفرشة بفتح الفاء فهو مصطلح لم أجد له مكان في لسان العرب، بل تداوله في لغتنا العامية يعني كشف المستور ونقول لفلان فرشتيها بمعنى أسأت التصرف،  وندعو من لا يكثم السر : أسيدي أحمد الفرشة.

أظن أن العنوان قد بان وهي مشتقة من البيان، بقي أن نرفع الستار عن  مشهد اليوم، وبطليه كما حال المشاهد السابقة زوجين محترمين يتعاملان مع المؤسسة.

 عقب تعييني في هذه الوكالة بأيام قليلة تشرفت باستقبالهما وقد أتيا حسب تصريحهما للتعرف علي أولا بعد أن حدثهما أحد عني أو بالأحرى عن مرونة المؤسسة في التعامل مع نوعية مشروعهما وثانيا لمناقشة مشروع عقاري وحسب حدسي فالغرض هو مقارنة عروض المؤسسة مع باقي المؤسسات التي دون شك طافا عليها.

يستشف (بضم الياء)من تقديمهما لشخصيهما أنهما في الأربعينيات من العمر، ينحدران من منطقة واحدة، جمعتهما المدرسة ثم الكُلْيَة، اختارا العمل في نفس المجال وإن تفاوتت درجتي اختصاصهما، حيث أنه أعلى منها في سلم العمل بدرجة أو درجتين.

 أسفر هذا اللقاء عن تطابق الإيجاب بالقبول بيننا، بفتح مِلَفّ لكل منهما والموافقة على تمويل مشروعهما بنسب متساوية،

وخلال مواكبة إنجاز المشروع كان لي شرف زيارة الورش ثم البناء فمتابعة الأشغال النهائية،

كما حصل لي الشرف خلال أحدى المعاينات أن استدعيت لمائدة شاي مع الزوجين وابنيهما، وكانت فرصة لاطلاعي على السكن الجميل  وطوافي على مكوناته ومحتوياته وكانت كل غرفة مجهزة بالأثات و الأفرشة المناسبة، من صالون وَسَط الدار بديكوره الأوروبي و غرفة الولدين بما تحويه من متطلبات النوم و الترفيه و الدراسة  كما شد انتباهي غرفة النوم بفراشها وانسجام ألوانها، وهي مزينة بصورة كبيرة الحجم للزوجين وهما عروسين هي  في فستان الزفاف بزيها الأبيض الجميل وهو ببدلة أظن سوداء  يزيدها رونقا قميص أبيض ، كما أن تقارب طولهما وسمرة لونهما أعطيا للصورة جمالا وهي زادت المكان بهجة و كمال ...

مرت سنتين أو أكثر  على دخول الزوجين في عَلاقة مع المؤسسة، وكلما احتاجا خدمة أو مصلحة يحضران سوية ليملآ المكان ابتسامة وبهجة تنم على ما يعيشانه من سعادة و تفاهم، ثم بدأت هذه المرافقة تخف و تقل شيئا فشيئا، وأخيرا أصبح كل منهما يأتي بمفرده، شخصيا عللت السبب لاختلاف في جداول وبرامج عملهما ...إلى أن حضرت يوما و الوقت يكاد يكون ظهرا، الحرارة مفرطة، المكان يخضع لأشغال إعادة التهيئة و الترميم، وقد آثرنا مواصلة العمل في الموقع رغم الضوضاء و الغبار  ....

جلست و الحزن باد على عينيها وجه شاحب تطغى عليه صفرة ولامبالاة في شكل وتناسق الهندام، بادرتها بالسؤال عن حالتها الصحية، الزوج و الأبناء ....

- كلهم بخير و أنا أعاني معهم جميعا، هو لست أدري من غيرته علي، وهما مصممان على متابعة دراستهما بالخارج، وتركي وحيدة مع حظي المشؤوم.

- واه أنا أعرف بأن علاقتك بالسي  راء طيبة ونموذجية ويحكمها تاريخ مشترك وعلاقة وطيدة

- لست أدري من الجنية التي غيرته علي، وقلبت حياتنا رأسا على عقب..........

تضيف بصوت خافت، رغم دقات المطارق وضجيج البناء والأصوات المتتالية لآلات النقش و الحفر والنجارة، و هي  تتحاشى أن يبلغ صدى بوحها  غيري وأنا أبدل جهدا لالتقاط كلماتها بل أحيانا أصيغ الفهم تبعا للقسمات  أو مخارج الحروف، »أنه مند أكثر من ست أشهر انقطعت كل الأحاديث بينهما، وأصبحت علاقتهما تحكمها الأرقام والحسابات عن كل مصاريف ونفقات البيت، ولم يعد هناك حديث سوى ما يفرضه العيش تحت سقف بيت أو مصلحة الأبناء، وأن الأبناء وإن كانا يستنكران ما يحدث فهما يصران على عدم التدخل رغم إصرارها وتوسلها لهما على الأقل لمعرفة السبب، وفي النهاية للخروج من هذا النفق اتفقا على الهجرة إلى الخارج لمتابعة الدراسة العليا، وما يشغلها الآن هو كيف ستستمر علاقتهما عندما يبقيا وحيدين في البيت ......« توقفت تستجمع قواها، ثم استرقت نظرة اتجاه شاشة الحاسوب المتواجد على يساري; وكأنها تريد مخاطبته أو كسب وده  وتواصل   »مشكلتي اليوم هو ضرورة التوفر على نصف المبلغ المتعلق بالكفالة البنكية لاستكمال مِلَفّ التأشيرة « 

فهمت ما تقصده ودخلت توا على النظام المعلوماتي، لمعرفة  إمكانيات التمويل الممكنة،  والتي خولت لها فعلا  الاستفادة من المبلغ المطلوب، ثم وعدتها أنه سيكون رهن إشارتها خلال اليومين القادمين، ودعتني وهي تردد بصوت منخفض "يكون خيرا إن شاء الله "…

بدوره السيد راء جاء في اليوم الموالي رفقة ابنيه غير أن المكان كان لا يسع الجميع فخرج أحد الابنين بعد أن حياني وجلس الثاني قبالة أبيه........

 على عكس عادته يبدو  السيد راء  اليوم  متذمرا و أكثر جديا ورزانة،  بدون مقدمات طلب معلومات حول فتح ملفين لولديه و تحويل مبالغ مالية لتغطية مصارف كفالة بنكية تخول الحصول على تأشيرة السفر للدراسة بالخارج، سجل  الابن نقطا في الموضوع ثم استأذن بالانصراف  ليلحق بأخيه لمباشرة جمع الوثائق المطلوبة، في حين استمر السي راء في مكانه، نظر إلي  بعمق  ينم عن الحسرة و الأسى وقال.

- شوف السي مصطفى أنانية الأبناء، فهما عارفين البير و غطاه عارفين الديون اللي علينا، عارفين المصاريف اللي تحملناها  ماشي غير في الدراسة بل في توفير الأمكنة و الظروف المناسبة للعيش شوف شحال حرمنا أنفسنا من أشياء من أجلهم، واش أعباد الله على قلة المدارس في المغرب، ولكن الخطأ في التربية، الأم مفقودة ضعيفة، الله يرحمك يا أمي  رغم أنها أمية كانت راجل و امرأة هي اللي كانت واقفة بحزم على توجيهنا وتربيتنا أحسن تربية، في حين كان الأبُ الله يرحمه منكب على تجارته وتصريف أموره، يكتفي بمدها بالمصروف الشهري، الذي تتصرف فيه كمحاسب محنك،  السي مصطفى مانكدبش عليك أنا فاض بيا ومليت .....

  نهض متثاقلا ثم غادر المكان وهو يردد عبارات تنم عن عدم الرضى ولومه الشديد لزوجته التي يرى أنها ربت ابنيها على الفشوش.

مرت أيام أو شهور لا أدري المهم زمن غير قصير، بينما كنت أهم بدخول المؤسسة بعد عودتي من مهمة، صادفتها بالباب وهي بصدد المغادرة، فعادت أدراجها معي لحاجتها لمعلومات حول بطاقة الائتمان الذي بدأ الترويج لها عبر وسائل الإشهار و الأعلام، ونحن نتداول الأمر سألتها عن ماجد في علاقتها بالسي راء، ابتسمت ثم ضحكت والضحك لايدل دائما عن الغبطة و الفرح قد يكون نابعا عن الحزن والقلق …ثم قالت :

- ماقلتش ليك حنا مابقيناش زوجين أصبحنا جارين، هو اختار لنفسه الانعزال  في الطابق السفلي، حيث يعيش حياة العزاب، وأنا بمفردي في الطابق الأعلى، لم نلتق مند أكثر من شهر، أعرف انه موجود، أرهف دائما السمع لأتحسس خطواته وحركاته، يعمل  باستمرار على تجنب مواجهتي ولو بباب البيت أو الدرج ، مانكدبش عليك عييت حرمت راسي حتى من السفر أو المبيت لأي سبب خارج البيت، أخاف أن يستغل غيابي للقيام بمعرفتش أشنو،

- اسمحي لي هاد الشي خصوا ايدار ليه حد، بأية طريقة خصك تكلميه بهدوء على الحل المناسب لإعادة الوفاق أو إذا  دعت  الضرورة ......

- الفِرَاقَ، في الحقيقة هاد الشي فاش كانفكر ، غادي نتصل بعائلتي وعائلتو ، واحكي لهيهم التفاصيل ويكون خير ....

مرت أيام لا أستطيع عدها، بل كدت أنسى الموضوع لعدم ارتباطي به شخصيا ،كما أن اتصالي ببطلي المشهد قد ندر و انحسر خاصة مع الاستعمال المكثف للشبابيك الأتوماتيكية 

في عشية وأنا عائد لبيتي بعد صلاة العشاء في مسجد يبعد عن سكناي، التقيت بالسي راء، يجلس في سيارته في موقف شبه مظلم، كان هو من بادرني بالسلام .....

- عليكم السلام ورحمة، آش هاذ الوقفة هنا

- انتظر خروج المدام من الحمام

- مدام شكون مدام ...

- السي مصطفى آش هادشي، شحال من مدام عارف عندي

- أه مدام س علاه ....  (أميمتي هنا كدت أفرشها، فأصل السؤال كان علاه تصالحتوا)

- علاه آش

- بغيت نقول مزيان تستنى المدام من الحمام ......(ابتسم ولعل قراءات عدة تراءت له من ردي(

- الفقيه آش هاذ الكلام مافهمتش آش بغيتي تقول ........قاطعته مودعا وسألته أن يبلغ سلامي للسيدة س.......أما هو فبقي متتبعا خطواتي بعينيه وأنا متيقن أن في ذهنه ألف سؤال .......

أما أنا فقد شكرت الله الذي جمع شملهما، وألف بين قلبيهما، وأبعد رجس الشيطان عنهما

وإلى لقاء في المشهد الثامن

 



ملحمة لعنة الجوع

  ​ملحمة لعنة الجوع           و تَمْهِيدٌ خَارِجَ النَّصِّ «هَذِهِ القِصَّةُ فِي عُمْقِهَا مُسْتَوْحَاةٌ مِنْ وَاقِعٍ مَعَاشٍ، كَانَتْ أَحْد...