جيل (ص)
الأبطال:
* سامي: بطل القصة، شاب حاصل على الإجازة في الاقتصاد، متمرد على الواقع، ويشتغل محاسباً في شركة مناولة.
* الأب: متقاعد، معاشه لا يتجاوز 2000 درهم للشهر.
* الأم: ربة بيت.
* الأخت الصغرى: تدرس في نهاية السلك الإعدادي.
* الأخ: بعد معاناة طويلة مع مرض عصبي مزمن يتماثل للشفاء.
* الأخت الكبرى وزوجها: الأخت أم لطفلين، وزوجها أجير في شركة خاصة (يمثلان سند العائلة).
* الأصدقاء: عادل، الفقيه، أحمد، عبد الإلاه، وسعيد (المصاب بالسكري).
---
١. عِشُّ السطح وأشباح الممتلكات الفكرية:
في غرفته المنزويه فوق سطح البيت في ذلك الحي الشعبي العتيق، لم يكن سامي وحيداً؛ كان محاطاً بأشباح متمردة استلهمها من بطون الأدب العالمي والعربي. كان يتقمص روح "ماريوس" (ذلك الشاب الأرستقراطي الذي هجر ثراء عائلته ليحارب في المتاريس من أجل حقوق الفقراء في رواية "البؤساء" لفيكتور هيجو)، وتارةً يرى نفسه في "سعيد مهران" (المتمرد الذي طارده مجتمع زائف في رواية "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ).
سامي كان متمرداً على الواقع؛ فهو كان يحلم لوضعية متميزة في المجتمع، تمكنه من مساعدة أسرته على الخروج من دوامة الفقر التي طحنتها سنوات طويلة. لذلك، كان اشتغاله كمحاسب في شركة مناولة (بما يمثله من هضم للحقوق وغياب للأمان الوظيفي) بمثابة غبن شديد لشهادة الإجازة في الاقتصاد التي يحملها. اعتبر هذا الوضع قيداً مجحفاً وجب العمل على تغييره، ليس بالاستسلام، بل بالنضال المنظم عبر "جيل (ص)".
لقد أدرك سامي أن زمانه يطلب "فصالة" مختلفة؛ فبينما اعتمد أبطال الروايات الكلاسيكية على "الشارع" (الأزقة والحارات القديمة كـ "زقاق المدق") كمسرح وحيد للتغيير، آمن هو ورفاقه بـ "جيل (ص)". وهو جيل أعلن الصحوة بعد طول خمول، متخذاً من "العالم الرقمي" وشاشات الهواتف منابر للتوعية والتأطير، محولاً "الروابط الإلكترونية" إلى سلاحٍ للوعي، حتى جاء ذلك المساء المشهود في الميدان.
٢. شرارة الميدان وقيد الوفاء (الاعتقال):
تحمس سامي للمشاركة في المظاهرات لذات الغرض؛ رغبةً في كسر طوق الغبن الاجتماعي وتحقيقاً لحلمه بوضعية متميزة تليق بشهادته. ومن غرفته فوق السطح، انطلقت نداءاته الرقمية، حيث دعا أصدقاءه الخُلّص: عادل، الفقيه، أحمد، وعبد الإلاه للمشاركة في تأجيج أوار المظاهرات في يومها الأول. مرت المظاهرة بسلام وتفرق المشاركون بعد انتهاء الوقفات والكلمات التأطيرية، ليعود كلٌّ إلى بيته بقلبٍ يملؤه الأمل.
في اليوم الموالي، الأحد، تجدد في نفس سامي ذلك الوعي المتمرد، فدعا أصدقاءه عبر مجموعاتهم الرقمية للعودة إلى الميدان لمواصلة الزخم، لكن حسابات الواقع بدأت تفرض نفسها؛ فلم يستجب جميع الأصدقاء لدعوته هذه المرة، وداهم التردد بعضهم، ولم يلبِّ النداء ويرافقه إلى الساحة إلا اثنان أو ثلاثة منهم فقط.
بعد انتهاء ذلك اليوم العصيب من المظاهرات، أهلك الجهد والركض أجسادهم، فذهب الأربعة (سامي ورفاقه الذين صمدوا معه) إلى أقرب محلية لأخذ ما يطفأ الجوع ويسد الرمق. بعد أن أكلوا واستراحوا قليلاً، وقف سامي وقصد صاحب المحلية لتسديد ثمن ما تناولوه. وضع النقود وعاد أدراجه، لكنه عندما خرج من عتبة المحلية إلى الشارع صُعق؛ لم يجد لأصحابه أي أثر! التفت يميناً وشمالاً، وبدأ ببحث سريع سادته ربكة حارة، حتى انتبه لهم من بعيد.. كانوا هناك، مكدسين ومحمولين في سيارة الشرطة التي بدأت تتحرك بسرعة. لم يفكر سامي في النجاة بمفرده؛ بل تبع السيارة مسرعاً، يركض وراءها وهو يصرخ بملء حنجرته طالباً الإفراج عن أصدقائه، فما كان من رجال الأمن إلا أن أوقفوا السيارة، وامتدت يد خبيثة لتسحبه هو الآخر، فإذا بهم يلقون عليه القبض ويقذف به معهم خلف القضبان.
٣. في محراب الوجوه العارية: السجن كمختبر إنساني:
طالت الأيام وتعددت صور جلسات التحقيق والتحقيق المضاد عند الضابطة القضائية في حرب استنزاف نفسية وجسدية شرسة. ثم انتقل النقاش والبحث من ردهات المكاتب المغلقة إلى علنية جلسات المحكمة.
هناك، انتصب المدعي العام مطالباً بالإدانة الصارمة، موجهاً للشباب تهم: "التجمهر بدون رخصة"، و"احتلال الطريق العام وعرقلة حركة السير". وفي المقابل، تقدمت هيئة الدفاع لتبرز براءة الشباب من التهم المنسوبة إليهم، موضحين أن تجمعهم كان تعبيراً سلمياً وحضارياً كفله الدستور لشباب يحملون شواهد عليا وأفكاراً إصلاحية، وليس نية للتخريب.
بعد ذلك، استقر الرفاق معاً في الزنزانة رقم 6، ووجد سامي نفسه في "مجتمع مصغر" يختزل تناقضات العالم بكثافة مرعبة:
* صدمة التنوع وسقوط المثالية: صُدم حين وجد أن الزنزانة تضم النفعي الذي يساوم على كرامة رفاقه مقابل فتات خبز، والمنافق الذي يمارس "الوشاية" في الخفاء ليرتقي في سلم الامتيازات عند الحراس. تساءل بمرارة: كيف يجتمع "القديس" و"الأفعى" في خندق واحد؟
* انكسار الجسد والغياب: لم تكد تمر أيام قليلة حتى تدهورت صحة سعيد المصاب بالسكري فتم نقله على عجل إلى مستشفى السجن، تاركاً غيابه قلقاً وخوفاً ينهش قلوب رفاقه.
* بين برودة الحديد وحرارة المسؤولية: كان صمت الليل هو العدو الأكبر، حيث تهاجمه صور أخيه المصاب بمرض عصبي مزمن وصورة أخته الصغرى وكتبها المدرسية، شاعراً بمرارة انقطاع راتبه الذي كان شريان الحياة للبيت.
* صراع المبدأ: خاض حرباً داخلية للحفاظ على "نقاء جوهر نفسه" وسط بيئة تزدري القيم الطوباوية وتقدس المصلحة الضيقة.
٤. رحى المسؤولية وتضحية الأخت:
أدرك سامي، من وراء الشباك الشاحب في قاعة الزيارات، أن ثمن وقفته الشجاعة ستتحمله أخته الكبرى المتزوجة والأم لطفلين. تلك التي كان قد استلم منها "دفة المسؤولية" فور حصوله على عمله ليتيح لها التفرغ لأسرتها، فإذا بـ "الرياح تجري بما لا تشتهي السفن"، لتعود هي وتحمل العبء مجدداً.
ومع تصاعد أطوار المحاكمة، انضافت إلى كاهل الأسرة مصاريف جديدة باهظة؛ شملت تكاليف التنقل المستمر إلى السجن البعيد لزيارتهم، بالإضافة إلى الواجب الحتمي بإيداع مبالغ مالية في صندوق السجن لتأمين حاجيات سامي خلف الأسوار. هذه المبالغ كانت تتفاوت شهرياً بين 500 درهم وتصل أحياناً إلى حد الـ 1500 درهم (مبلغ ضخم لا يتماشى نهائياً مع معاش الأب المحدود الذي لا يتجاوز 2000 درهم).
هنا، أُلقيت مسؤولية جديدة وثقيلة على عاتق أسرة أخته الكبرى. فبالإضافة إلى متطلبات أسرتها الصغيرة، وجدت نفسها مضطرة لتحمل هذه المصاريف الإضافية، ناهيك عن المصاريف القضائية وأتعاب المحامين. وفي هذا الاختبار الصعب، تجلت أصالة العائلة؛ إذ كان زوج الأخت، المتفهم للوضع، السند الأول لزوجته، يشجعها ويدعمها بماله وصبره على تحمل هذه المصاريف.
وزاد الأمر ثقلاً مع حلول عيد الأضحى؛ حيث تحملت الأخت الكبرى وزوجها الشهم مصاريف شراء "كبش العيد" لبيت الوالد لحفظ ماء وجه الأسرة وفرحة الأخت الصغرى وسط الحي الشعبي. أمام هذا الكرم، شعر سامي بأسف شديد وحرقة تنهش صدره؛ فبينما كان يبحث عن وضعية متميزة ينتشل بها أهله من الفقر، إذا به يرى أخته وزوجها يتحملان فوق طاقتهما مصاريف السجن والمحكمة وإعالة الأسرتين معاً من أجل صموده ونقاء مبدئه.
٥. النهاية: مذكرات البشر:
بعد أشهر من المحاكمة والانتظار، انقشعت الغمامة. خرج سامي ببراءة قانونية صكتها المحكمة، لكنه خرج بنُدوبٍ عميقة حُفرت في روحه وعقله.
لم يعد سامي ذلك الشاب الطوباوي الذي يرى العالم أبيض وأسود من خلال الروايات الكلاسيكية. جلس في غرفته فوق السطح مرة أخرى، وبأصابع ارتعشت في البداية، بدأ يكتب ونشر مذكراته رقمياً. لم تكن كتاباته هذه المرة مجرد شعارات رنانة، بل كانت صوتاً حقيقياً لـ "جيل (ص)"؛ جيل الصحوة الذي تحدث عن "بشر" بتناقضاتهم، بضعفهم، بنذالتهم، وبتكافلهم العائلي الأسطوري. كتب سامي في السطر الأخير من مذكراته التي هزت الفضاء الرقمي: «إن الحرية الحقيقية لا تبدأ بكسر القضبان الخارجية فحسب، بل بالتحرر من الأوهام الداخلية، ومعرفة أن الثورة الحقيقية هي تلك التي تحمي بيتاً فقيراً من الانهيار».
---
إهداء
إلى كل مَن أبصر النور في قلب العتمة..
إلى "جيل (ص)" الذي لم تكسره القضبان، ولم تشوهه الوشايات..
إلى كل قلمٍ أبى أن يبيع حبره، وكل روحٍ بحثت عن الطوباوية في عالمٍ يقدس النفعية..
إلى الأخت وزوجها الشهم اللذين حملا الدفة حين عصفت الرياح..
إلى (سامي) الكامن فينا جميعاً.. نهدي هذه الكلمات المنزوعة من روح واقع مر.