تعب كلها الحياة
فلسفة الوجود في دالية أبي العلاء المعري
"أعرف أن الكثير منا ستروقه هذه القصيدة، وقد يحتاج قراءتها إلى تأمل وصبر، لكن إعجابي بكل بيت من أبياتها يدفعني لنشرها؛ فكل بيت هنا هو قصيدة منفصلة، ورواية متكاملة المعاني، وفلسفة قائمة الذات..."
القصيدة:
غيرُ مُجْـدٍ في مِلَّتـي واعْتِقَـادي ... نُـوحُ بَـاكٍ ولا تَرَنُّـمُ شَـادِ
وشَبِيهٌ صَوْتُ النَّعِيِّ إِذَا قِيـسَ ... بِصَوْتِ البَشِيرِ في كُلِّ نَادِ
أَبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمَامَةُ أَمْ غَنَّـتْ ... عَلَى فَرْعِ غُصْنِهَا المَيَّادِ؟
[وقفة تأمل: أعظم ما قيل في فلسفة الموت والحياة والاستخفاف بالكبرياء]
صَاحِ! هَذِي قُبُورُنَا تَمْلأُ الرُّحْبَ ... فَأَيْنَ القُبُورُ مِنْ عَهْدِ عَادِ؟
خَفِّفِ الوَطْءَ مَا أَظُنُّ أَدِيمَ الأَرْ ... ضِ إِلاَّ مِنْ هَذِهِ الأَجْسَادِ
وَقَبِيحٌ بِنَا وَإِنْ قَدُمَ العَهْـدُ ... هَوَانُ الآبَاءِ والأَجْدَادِ
سِرْ إِنِ اسْتَطَعْتَ في الهَوَاءِ رُوَيْداً ... لاَ اخْتِيَالاً عَلَى رُفَاتِ العِبَادِ
رُبَّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْداً مِرَاراً ... ضَاحِكٍ مِنْ تَزَاحُمِ الأَضْدَادِ
وَدَفِينٍ عَلَى بَقَايَا دَفِينٍ ... في طَوِيلِ الأَزْمَانِ والآبَادِ
فَاسْأَلِ الفَرْقَدَيْنِ عَمَّنْ أَحَسَّا ... مِنْ قَبِيلٍ وَآنَسَا مِنْ بِلاَدِ
كَمْ أَقَامَا عَلَى زَوَالِ نَهَارٍ ... وَأَنَارَا لِمُدْلِجٍ في سَوَادِ
تَعَبٌ كُلُّهَا الحَيَاةُ فَمَا أَعْـجَبُ ... إِلاَّ مِنْ رَاغِبٍ في ازْدِيَادِ
إِنَّ حُزْناً في سَاعَةِ المَوْتِ أَضْعَـافُ ... سُرُورٍ في سَاعَةِ المِيلاَدِ
خُلِقَ النَّاسُ لِلْبَقَاءِ فَضَلَّتْ ... أُمَّةٌ يَحْسَبُونَهُمْ لِلنَّفَادِ
إِنَّمَا يُنْقَلُونَ مِنْ دَارِ أَعْمَالٍ ... إِلَى دَارِ شِقْوَةٍ أَوْ رَشَادِ
ضَجْعَةُ المَوْتِ رَقْدَةٌ يَسْتَرِيحُ الـ ... جِسْمُ فِيهَا والعَيْشُ مِثْلُ السُّهَادِ
أَبَنَاتِ الهَدِيلِ أَسْعِدْنَ أَوْ عِدْ ... نَ قَلِيلَ العَزَاءِ بِالإِسْعَادِ
إِيهِ للهِ دَرُّكُنَّ فَأَنْتُنَّ ... اللَّوَاتِي تُحْسِنَّ حِفْظَ الوِدَادِ
مَا نَسِيتُنَّ هالكًا في الأَوَانِ الـ ... خَالِي أَوْدَى مِنْ قَبْلِ هُلْكِ إِيَادِ
بَيْدَ أَنِّي لاَ أَرْتَضِي مَا فَعَلْتُنَّ ... وَأَطْوَاقُكُنَّ في الأَجْيَادِ
فَتَسَلَّبْنَ وَاسْتَعِرْنَ جميعًا ... مِنْ قَمِيصِ الدُّجَى ثِيَابَ حِدَادِ
ثُمَّ غَرِّدْنَ في المَآتِمِ وَانْدُبْـ ... نَ بِشَجْوٍ مَعَ الغَوَانِي الخِرَادِ
كُلُّ بَيْتٍ لِلْهَدْمِ مَا تَبْتَنِي الوَرْ ... قَاءُ والسَّيِّدُ الرَّفِيعُ العِمَادِ
وَالَّذِي حَارَتِ البَرِيَّةُ فِيهِ ... حَيَوَانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ جَمَادِ
وَاللَّبِيبُ اللَّبِيبُ مَنْ لَيْسَ يَغْتَـرُّ ... بِكَوْنٍ مَصِيرُهُ لِلْفَسَادِ
قصيدة أبو العلاء المعري تعب كلها الحياة، تصفُ أصل الوجود ومغازيه الظاهرة والخفيّة، وخلاصة فكر المعري في الموت والحياة، فالقصيدة كغرض شعريّ تصنّف في المراثي فقد كتبها المعري في رثاء الفقيه الحنفيّ أبي حمزة. في هذه القصيدة يصور أبو العلاء المعري الحياة مجرّدة بلا بهرجات، وخاليةً من المعنى والعمق، ويعتمد الشاعر الصدق في التعبير، فهو يقدّم خواطره وحكمته بجرأة وعمق،
تعليقات