الاثنين، 20 أبريل 2026

قطوف من حروف محفورة في الذاكرة

 قطوف من حروف محفورة في الذاكرة 


عتبة المسار: من شتلة "شارع الجزائر" إلى نخيل "الوفاء" (1977 - 1991)


١. في حضرة الرباط: برزخ الانتظار (صيف

1977) كان صيف الرباط عام 1977 يفيض بحرارة البدايات الواعدة. في شارع الجزائر، وأمام هيبة الإدارة المركزية، وقفنا نحن الثلاثة؛ شباباً في مقتبل العشرين، نقبض على رسائل التوجيه كأننا نقبض على أقدارنا. تباينت ملامحنا بتباين حواضرنا المغربية:


السي محمد ع. (ابن وادي زم): فارع الطول، تسبقه جسارة واضحة؛ اختار مدينته وبعض الضواحي وقرر ألا يحيد عن ميله قيد أنملة.


السي أحمد ي. (ابن بني ملال): أقل طولاً وأكثر صمتاً وحذراً، أجوبته مقتضبة، وهَمْسٌ لا يغادر رجاءه بأن يُعيّن بمدينة بني ملال أو المدن القريبة منها.


المصطفى ر. (الراوي): الأكثر حركة ووجلاً في آن واحد. دونتُ خياراتي، وفي لحظة إلهام أضفتُ "بنسليمان"؛ الاسم الذي ظل يتردد في مسمعي منذ الطفولة، ربما لأن مسكننا كان يربض على ضفاف الطريق المؤدية إليها.


٢. الرعشة الخفية ونداء "السي الطويل" توالى دخول الرفاق، وبقيتُ وحيداً بقربي السي أحمد، أصارع "رعشة" الوجل، متظاهراً برباطة الجأش، مستحضراً وصايا الوالد بـ "التعقل والسمع والطاعة". قطع حبل هواجسي صوت الموظفة بفرنسية رصينة: "Cher Monsieur, on vous attend". التفتُّ حولي لأجدني وحيداً في القاعة؛ فقد غادر الآخران دون وداع، تاركين خلفهما صمت المكان وترقبي. استقبلني رجل بشوش خلوق، (لعل اسمه "السي الطويل" إن لم تخنّي الذاكرة)، ومنحني قرار التعيين ببرشيد "بصفة مؤقتة" في انتظار فتح مقر بنسليمان. بدأنا الرحلة بأرقام تأجير متسلسلة تنتهي عشراتها بـ: 89، 90، و91؛ أرقاماً صارت لاحقاً هويتنا في سجلات الزمن.


٣. مدرسة الحياة وعقد بنسليمان الذهبي في فاتح سبتمبر 1977، بدأت الرحلة في وكالة برشيد؛ فترة تدريب صعبة لشساعة النفوذ وسباق يتطلب السرعة الفائقة. وتشاء الأقدار أن ننتقل مع السي أحمد ي. في صيف 1978 إلى بنسليمان مع افتتاح المقر الجديد، لنعيش سنوات تحت سقف واحد. كانت "هدية من السماء"؛ حيث تقاسمنا تعب الوظيفة ومدرجات كلية الحقوق بالدار البيضاء، صاهرين طموحنا في بوتقة واحدة.


٤. التناوب على العهد وأدب الاختلاف في أواسط الثمانينات، حل السي محمد محل السي أحمد ي.، لنبني ثنائياً فعالاً. تعاقب على المؤسسة مدراء كثر؛ تباينت علاقتنا بين مودة واختلاف، لكنني أحفظ لكل من منح علمه بسخاء قدراً كبيراً. ولعل أجمل ما قيل عني في تلك المرحلة من مسؤول رحل عنا: "المصطفى هو الشخص الوحيد دون منازع الذي كنت كثيراً ما أختلف بل أتنازع معه، ولكن دائماً كنت أحبه". عبارة تلخص نبل ذلك الزمن الذي صهر معادننا.


٥. لحظة الاقتلاع وحصاد العمر ولأن لكل بداية نهاية، دقت ساعة الرحيل في مايو 1991. غادرتُ تلك المدينة، وشعرتُ لحظتها كأنني أُقتلع من جذوري. تعددت تنقلاتي لاحقاً، وربطتُ علاقات شتى، لكنني بقيتُ أحنّ دائماً لفترة بنسليمان مع رفاقٍ كنا فيها كـ "البنيان المرصوص" يشد بعضه بعضاً؛ وهي نعمة افتقدتُ مذاقها الخاص فيما بقي من مساري المهني.


اليوم، نضجت تلك "النبتة" لتصبح نخلة يافعة، وأصبح لكل فرع منها وجهة هو موليها، مستقلين ومستقرين، نحمل في قلوبنا ذكريات لا تُنسى، وثماراً أينعت بفضل سنوات الصبر والكفاح.


---


إهداء:


إلى الروح الزكية التي قاسمتني العِشرة حلوها ومرها بابتسامة دائمة ودعاء ومحبة لا ينقطعان.


إلى الرفاق: السي محمد عمارة والسي أحمد اليافي..


وإلى رجال ونساء عاشوا معنا تلك المرحلة وغادرونا إلى دار البقاء، نسأل الله أن يتغمدهم برحمته الواسعة؛ وعلى سبيل الذكر لا الحصر: السي المراكشي لكبير، السي الدغمي عبد الله، السي لسلامي بلعيد، والسي العاطفي العربي.


وإلى إخوة لنا غالبيتهم -إن لم يكن كلهم- أحيلوا على التقاعد، نسأل الله أن يمتعهم بالصحة والعافية.


إلى كل من غرس فينا قيم الجد والوفاء.. نهدي هذه الكلمات المنزوعة من روح واقع، امتزج فيه مرّ الجهد بحلاوة الإنجاز.


التوقيع: المصطفى رفاقي


ليست هناك تعليقات:

قطوف من حروف محفورة في الذاكرة

  قطوف من حروف محفورة في الذاكرة   عتبة المسار: من شتلة "شارع الجزائر" إلى نخيل "الوفاء" (1977 - 1991) ١. في حضرة الرباط...