المشاركات

مشاهد في الذاكرة:المشهد السابع

  بعنوان: على شفا الفَرشة عنوان مثير بدون شك؛ نقول على شفا حفرة بمعنى على وشك السقوط، أما "الفرشة" بفتح الفاء فهو مصطلح لم أجد له مكاناً في لسان العرب، بل تداوله في لغتنا العامية يعني كشف المستور، ونقول لفلان "فرشتيها" بمعنى أسأت التصرف، وندعو من لا يكتم السر: "أسيدي أحمد الفرشة". أظن أن العنوان قد بان، وهي مشتقة من البيان، بقي أن نرفع الستار عن مشهد اليوم، وبطلاه كما حال المشاهد السابقة زوجان محترمان يتعاملان مع المؤسسة. عقب تعييني في هذه الوكالة بأيام قليلة، تشرفت باستقبالهما وقد أتيا حسب تصريحهما للتعرف عليّ أولاً بعد أن حدثهما أحدٌ عني، أو بالأحرى عن مرونة المؤسسة في التعامل مع نوعية مشروعهما، وثانياً لمناقشة مشروع عقاري. وحسب حدسي فالغرض هو مقارنة عروض المؤسسة مع باقي المؤسسات التي دون شك طافا عليها. يُستشفّ من تقديمهما لشخصيهما أنهما في الأربعينيات من العمر، ينحدران من منطقة واحدة، جمعتهما المدرسة ثم الكلية، اختارا العمل في نفس المجال وإن تفاوتت درجتا اختصاصهما، حيث إنه أعلى منها في سلم العمل بدرجة أو درجتين. أسفر هذا اللقاء عن تطابق الإيجاب بالقبول ...

مشاهد في الذاكرة: المشهد السادس

  أوراق في الماء (المشهد السادس) بعنوان: للبيوت أسرار مشهد هذا العدد قد يختلف عن المشاهد السابقة، وهو طويل إلى حد ما، وقد يتبادر إلى الذهن من شخصياته وأسلوب السرد والحوار، وتمحور الأحداث بين العقدة والحل، أنها من نسيج الخيال. والواقع أن حياتنا كلها لا تخلو من لوحات مستوحاة من الخيال، لذلك فإن روح هذا المشهد تمثل أحداثاً معاشة لا تخلو من بعض اللمسات التي أُضيفت أو غُضّ الطرف عنها لظروف تتعلق بضرورة طمس معالم أخطاء الكشف عن أسرار المهنة. أذكر كما في السابق أن بطلي المشهد دائماً زوجان محترمان يتعاملان مع المؤسسة؛ الزوج يمارس التجارة بالجملة ونصف الجملة في مواد رائجة، وطبيعة هذه المواد تقتضي تحريكاً سريعاً لدورة رأس المال مع تعدد مصادر الإيراد والتوزيع، وهذا يقتضي بالضرورة تواجده الكثيف بالمصلحة. أما الزوجة فهي موظفة بالمقر المركزي لمؤسسة اقتصادية كبرى متواجدة بالعاصمة، مما يجعل تواجدها بالوكالة خلال أوقات أو أيام العمل شبه مستحيل. شخصياً لم يسبق لي شرف التعرف عليها، وإن حصل ذلك فلا أتذكره، بل إن صورتها في مخيلتي منعدمة. وعلى هذا، فزوجها هو الذي يقوم مقامها في تصريف جميع شؤونها في علاق...

مشاهد في الذاكرة: المشهد الخامس

  عندما تتغلب العاطفة على المهنة كما أشرت في المقدمة، فإن السرد الذي يحضرني في هذه المشاهد هو لمواقف جرت في كل مرة مع زوجين محترمين، أحدهما أو كلاهما يتعاملان مع المؤسسة. في عدد اليوم، وبصرف النظر عن الزمن والمكان، ندخل تواً في جوهر المشهد. الزوجان، وإن كانا يتمتعان بحظوة اجتماعية محترمة ومتميزة داخل المدينة، فقد لاحظتُ خلال لقائي الأول بهما منذ سنة أو سنتين، أنه رجل نرجسي، كثير التدقيق، لا يتوقف عن التعقيب على كل كلمة أو مصطلح؛ مما كاد يصعب مهمتي في إيضاح شروط وآليات المشروع العقاري الذي رغبا في الاستفادة منه. وعلى النقيض، كانت هي تسمع وتستوعب قبل أن تستوضح، لتطرح تساؤلات واضحة ومركزة جعلت سبل الفهم والإقناع ميسرة للطرفين. عندما دخلت السيدة (س) وجلست على الكرسي المقابل، بادرتُها بالسؤال عن "الحاج" والأبناء، غير أن جوابها اقتصر على الحديث عن الأبناء، وتفوقهم الدراسي ومؤهلاتهم وآفاقهم... ثم دخلت مباشرة في موضوع الزيارة لتستفسر عن أمور تتعلق بذمتها المالية، بما في ذلك جاري القروض، والرصيد الحاصل والعروض الممكنة. وحين همّت بالانصراف، كلفتُها أن تبلغ سلامي إلى الحاج؛ فعادت إلى مق...

مشاهد في الذاكرة:المشهد الرابع

  بعنوان: أطال الله عمركِ سيدتي في هذا المشهد، أجدني قد نُقِلتُ إلى مدينة أخرى تبعد حوالي خمسين كيلومتراً عن الرباط. موقعها الساحلي جعلها تتأرجح إدارياً بين التبعية لمديرية جهة الرباط تارة وسطات تارة أخرى. تتميز هذه الوكالة بأنها في ملكية المؤسسة، وتحتل مساحة تتجاوز ثلاثمائة وخمسين متراً مربعاً؛ حيث يُستغل المدخل كبهو متسع مخصص لقاعة الانتظار، يضم قاعتين بجدران زجاجية مقواة بالألمنيوم، تغطيها ستائر معدنية لحجب الرؤية نسبياً. بخصوص الزمن، أعتقد أننا في سنة 2007. كانت الزوجة زبونة قديمة للوكالة، تملك أراضي فلاحية ورثتها عن أبيها الذي كان من أعيان المنطقة وأغنيائها. أما الزوج، فكان يشتغل موظفاً بإحدى الإدارات العمومية، ويقطنان معاً بجهة الحوز حيث مقر عمله. كنا بصدد وضع اللمسات الأخيرة لإنجاز ملف يتعلق باستثمار عقاري، من توقيع سندات الدين وبعض التعهدات. ولما همّت بتوقيع عقد التأمين، استفسر الزوج عن طبيعة هذه "البوصلة" (المستند)، بما أنهما سبق أن أديا قسط تأمين عن العقار لدى شركة خاصة، وعقبت هي أيضاً: — "لاصورانص ياك خلاصناه عند شركة (س)؟" أوضحتُ لهما أن الأمر هنا يتعلق ...

مشاهد في الذاكرة المشهد الثالت

 المشهد الثالث: اطمئني سيدتي أعتقد أنني في حدود عام ألفين وواحد، عُيِّنتُ لتسيير وكالة على بُعد حوالي أربعين كيلومتراً عن الدار البيضاء في اتجاه الجديدة. جاءني رجل وامرأة، يظهر للوهلة الأولى من مظهرهما وتحيتهما أنهما من المغاربة المقيمين بالخارج. جلس هو على طرف الطاولة، في حين انزوت هي إلى أقصى القاعة، متكئة على جنبها الأيمن ومسندة ظهرها إلى الحائط. سار الحوار بيني وبينه حول الرغبة في إيداع مبلغ من المال، وعن الامتيازات المخولة للمهاجرين، في حين كانت هي تتابع الحديث من بعيد دون أي تدخل أو مقاطعة. بعد أن رسا الاتفاق بيننا، استفسرتُ إن كان الملف يخصهما معاً، أم يخصه بمفرده، أم باسم السيدة والدته؟ فكان جوابه بكلمة واحدة مشيراً إلى الجالسة عن بُعد: "هي.."، دون توضيح، ثم منحني بطاقة تعريفها الوطنية. أخذتُ البطاقة وأخبرته أنني في حاجة إلى نسخة منها وأن آلة النسخ عندي معطلة، فاسترجعها مني وقام بخفة شبابية لاستخراج نسخة من متجر في الجوار. بمجرد انصرافه، اعتدلت السيدة في جلستها لتستفسرني أولاً عن إمكانيات السحب والإيداع، وهل المال في أمان، وهل يمكن لغيرها التصرف بأية طريقة في المال ال...

مشاهد في الذاكرة:المشهد الثاني

 المشهد الثاني / بعنوان : ومن الغَيْرَة ماقتل. في أواسط التسعينيات كنت أعمل مسؤولا ب ص.م بمنطقة الغرب على بعد كيلومترات من مدينة القنيطرة، من مميزات هذه المنطقة حينئذ أن الأرض يحكمها العرف وليس القانون العقاري وأن للولد الذكر الواحد دور ترجيحي في تحديد مصير الزوجة حيث قد تقصى من حق الانتفاع ولو كان لها عشر بنات، أعتقد أن هذا العرف لم يعد ساريا اليوم بفضل نضال ما يعرف بالنساء السلاليات، كما تتميز كذلك بشيوع ظاهرة تعدد الزوجات ولعل السبب، الرغبة في تكثير الخلفة الذكور للاستفادة من حق الانتفاع من مساحة أكثر من الأرض. دقت الباب ودخلت امرأة في الأربعينيات من عمرها، يبدو من سحنة وجهها ولكنتها أنها شمالية الأصل، استأذنت بالجلوس، مكثت بعض الوقت قبل أن يفك عقال لسانها، قدمت نفسها أنها زوجة فلان الفلاني، لقرب عهدي بالمكان لم أعرفه بل طلبت معونة أحد المساعدين الذي نبهني بوجود المِلَفّ فوق مكتبي، بعد انصراف هذا الأخير رفعت عينيها إلى الصورة وأشارت أنه هو زوجها، ثم واصلت تشير إلى أنها جاءت لتنبهني منه وأنه شخص مبذر، ويسرف المال في الملاهي و النشاط وأنها ضبطته عدة مرات في دور الفساد وعدلت عن متا...

مشاهد في الذاكرة: المشهد الأول: زلة لساني

 المشهد الأول: زلة لساني حدث هذا في أواخر الثمانينيات، حين كلفني مدير الوكالة ببنسلي آنذاك، المرحوم (ع. الدمغي)، بمرافقة أحد الزبناء في سيارته لزيارة ضيعته بمنطقة سيدي يحيى زعير. كان بمعية هذا الزبون امرأة شابة وطفل صغير. مع بداية الجولة قدم لي الرجل نفسه؛ أخبرني أنه إطار متقاعد فضل الانزواء في البادية ليستثمر ماله ويعيش الهدوء الذي حُرم منه خلال أربعين سنة من العمل. استمر طوال الرحلة يحدثني عن تجاربه، نجاحاته، وإخفاقاته، وعن حلو الإدارة ومرها، إلى أن بلغنا مدينة بوزنيقة حيث دعاني لنتقاسم طبق شواء. ونحن نتناول الغداء، استمر في الحديث لتنشيط الجلسة، وبين الآونة والأخرى يرحب بي ويحثني على الأكل، بينما كانت المرأة تطعم طفلها تارة وتكتفي ببعض القطع تارة أخرى، وتتابع الحوار بنظرات ملؤها الاحتشام والاحترام. بعد أن انتهينا، قال لي مجاملاً: — "السي مصطفى، ما كليتي والو..." فأجبته بعفوية: — "لا لا، أنا أكلت كفاية، الدّرية بنتك هي اللي ما كلات والو!" بداية من هذه اللحظة أطبق الصمت.  توقف الرجل عن سرد أحداثه،  ولم أنتبه لزلة لساني إلا ونحن على مشارف سيدي يحيى زعير، حين بادر لل...
 جيل (ص) الأبطال: * سامي: بطل القصة، شاب حاصل على الإجازة في الاقتصاد، متمرد على الواقع، ويشتغل محاسباً في شركة مناولة. * الأب: متقاعد، معاشه لا يتجاوز 2000 درهم للشهر. * الأم: ربة بيت. * الأخت الصغرى: تدرس في نهاية السلك الإعدادي. * الأخ: بعد معاناة طويلة مع مرض عصبي مزمن يتماثل للشفاء. * الأخت الكبرى وزوجها: الأخت أم لطفلين، وزوجها أجير في شركة خاصة (يمثلان سند العائلة). * الأصدقاء: عادل، الفقيه، أحمد، عبد الإلاه، وسعيد (المصاب بالسكري). --- ١. عِشُّ السطح وأشباح الممتلكات الفكرية: في غرفته المنزويه فوق سطح البيت في ذلك الحي الشعبي العتيق، لم يكن سامي وحيداً؛ كان محاطاً بأشباح متمردة استلهمها من بطون الأدب العالمي والعربي. كان يتقمص روح "ماريوس" (ذلك الشاب الأرستقراطي الذي هجر ثراء عائلته ليحارب في المتاريس من أجل حقوق الفقراء في رواية "البؤساء" لفيكتور هيجو)، وتارةً يرى نفسه في "سعيد مهران" (المتمرد الذي طارده مجتمع زائف في رواية "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ). سامي كان متمرداً على الواقع؛ فهو كان يحلم لوضعية متميزة في المجتمع، تمكنه من مساعدة أس...

قطوف من حروف محفورة في الذاكرة

  قطوف من حروف محفورة في الذاكرة   عتبة المسار: من شتلة "شارع الجزائر" إلى نخيل "الوفاء" (1977 - 1991) ١. في حضرة الرباط: برزخ الانتظار (صيف 1977) كان صيف الرباط عام 1977 يفيض بحرارة البدايات الواعدة. في شارع الجزائر، وأمام هيبة الإدارة المركزية، وقفنا نحن الثلاثة؛ شباباً في مقتبل العشرين، نقبض على رسائل التوجيه كأننا نقبض على أقدارنا. تباينت ملامحنا بتباين حواضرنا المغربية: • السي محمد ع. (ابن وادي زم): فارع الطول، تسبقه جسارة واضحة؛ اختار مدينته وبعض الضواحي وقرر ألا يحيد عن ميله قيد أنملة. • السي أحمد ي. (ابن بني ملال): أقل طولاً وأكثر صمتاً وحذراً، أجوبته مقتضبة، و هَمْسٌ لا يغادر رجاءه بأن يُعيّن بمدينة بني ملال أو المدن القريبة منها. • المصطفى ر. (الراوي): الأكثر حركة ووجلاً في آن واحد. دونتُ خياراتي، وفي لحظة إلهام أضفتُ "بنسليمان" ؛ الاسم الذي ظل يتردد في مسمعي منذ الطفولة، ربما لأن مسكننا كان يربض على ضفاف الطريق المؤدية إليها. ٢. الرعشة الخفية ونداء "السي الطويل" توالى دخول الرفاق، وبقيتُ وحيداً بقربي السي أحمد، أصارع "رعشة...

عن الآن الذي يسرقنا و عن اللاحق الذي يخدعنا

بسرعة البرق، تعبر بنا الأيام. .نصٌ مباغتٌ طرق باب ذهني،  فأذهلني بوضوحه.تركتُ كل ما بيدي لأعيد صياغته،  وكأن اليوم قد وُلد للتو السادسة مساءً..  كيف وصلنا هنا بهذه السرعة؟ بالكاد استقبلنا الاثنين،  فإذ بنا على عتبات الجمعة انتهى الشهر،  وكاد العام أن يطوي صفحاته. مرت 40، 50، بل 60 سنة..  وها أنا أصافح السبعين من شرفة العمر ​أدركتُ أخيراً  أنني فقدتُ أحبةً كُثراً وأصدقاء بلا عدّ، وأيقنتُ – بل نوقن جميعاً –  أن الوقت لا يملك طريقاً للعودة لذا.. فلنحاول استقطار الزمان مما تبقى من وقت. قد نودع الحياة بعد لحظة،  وقد نمضي دون تلويحة وداع.. دعونا لا نتوقف عن البحث عن الأنشطة التي نستمتع بها  دعونا نصبغ الرمادي ببياض الأمل ونبتسم للتفاصيل الصغيرة،  فالابتسامة في وجه الأخ صدقة. ونستثمر ما تبقى من رأسمالنا المعنوي، ولنملأ "قفتنا" بما ينفعنا في يومٍ لا يُغني فيه مالٌ ولا بنون ​أولاً، لنعلن الحرب على مرادفات "اللاحق": "سأفعل ذلك بعد قليل..." "سأبوح به لاحقاً..." "سأفكر في الأمر في وقتٍ آخر..." نؤجل كل شيء  وكأن "اللاحق"   صديقٌ وفيٌّ...