مشاهد في الذاكرة: المشهد الخامس
عندما تتغلب العاطفة على المهنة
كما أشرت في المقدمة، فإن السرد الذي يحضرني في هذه المشاهد هو لمواقف جرت في كل مرة مع زوجين محترمين، أحدهما أو كلاهما يتعاملان مع المؤسسة. في عدد اليوم، وبصرف النظر عن الزمن والمكان، ندخل تواً في جوهر المشهد.
الزوجان، وإن كانا يتمتعان بحظوة اجتماعية محترمة ومتميزة داخل المدينة، فقد لاحظتُ خلال لقائي الأول بهما منذ سنة أو سنتين، أنه رجل نرجسي، كثير التدقيق، لا يتوقف عن التعقيب على كل كلمة أو مصطلح؛ مما كاد يصعب مهمتي في إيضاح شروط وآليات المشروع العقاري الذي رغبا في الاستفادة منه. وعلى النقيض، كانت هي تسمع وتستوعب قبل أن تستوضح، لتطرح تساؤلات واضحة ومركزة جعلت سبل الفهم والإقناع ميسرة للطرفين.
عندما دخلت السيدة (س) وجلست على الكرسي المقابل، بادرتُها بالسؤال عن "الحاج" والأبناء، غير أن جوابها اقتصر على الحديث عن الأبناء، وتفوقهم الدراسي ومؤهلاتهم وآفاقهم... ثم دخلت مباشرة في موضوع الزيارة لتستفسر عن أمور تتعلق بذمتها المالية، بما في ذلك جاري القروض، والرصيد الحاصل والعروض الممكنة. وحين همّت بالانصراف، كلفتُها أن تبلغ سلامي إلى الحاج؛ فعادت إلى مقعدها واستوت في جلستها، ثم حدقت فيّ وعلى محياها ابتسامة حزينة وقالت:
"أنا وفلان صافي انتهينا..." (ولم تقل الحاج فلان كالعادة).
ترددتُ قليلاً قبل أن أواصل:
"ما فهمتش..."
هنا فقدت رباطة جأشها، وتركت العِنان للدموع تذرف غزيرة من عينيها:
"نحن على أبواب الطلاق".
كان للمفاجأة وقع الصدمة على نفسي، وبدوري لم أستطع امتلاك شعوري وسارت الدموع تنهمر من عيني أيضاً؛ فأنا أصلاً لي عاطفة جد هشة، زاد من هشاشتها انطباعي الجيد عن هذه السيدة ومدى تقديري واحترامي لها. تداركتُ الموقف تجنباً لإثارة انتباه الفضوليين، مسحتُ دموعي ومنحتُها منديلاً ورقياً...
لاحظت المسكينة بلا شك تأثري الشديد بظروفها، ففتحت لي صفحات من معاناتها مع الزوج وأسرته. صمتت لبرهة ثم أطلقت تنهيدة عميقة، وقالت بأن عشرين عاماً من الزواج أو يزيد لم تكن كافية لتخلق ثقة وطمأنينة لدى "فلان" الذي يشك في كل تصرف وكل كلمة يسمعها؛ فله دائماً اليقين بأن وراءها قصداً، ووراء كل نظرة مغزى. بل إن كثرة الشك تصل ذروتها أحياناً حين يصاب بمغص معدي أو ألم في الرأس، حيث يلمح دون غضاضة إلى أن مصدره قد يكون شيئاً ما دُسّ له في الطعام (تتوقف قليلاً لتجفف ما علق بعينيها).
تضيف أن كل هذه التصرفات كانت تتحملها وتتكتم عليها باعتبارها أسراراً أسرية، الزمن كفيل بعلاجها، خاصة وهي تحرص على خلق جو ملائم للأبناء يساهم في استمرارية إشعاعهم وتفوقهم الدراسي الملموس. بل تصبر على هجره لهم والاستقرار لأيام وأسابيع في شقة أسرته بالطابق الأعلى. (تهدأ ثم تسترسل بألم): إن كل ذلك كانت تتحمله وتصبر عليه ما دامت تعتبره ثنائياً بينهما، إلا أن الأمر استفحل ولم يعد يطاق حين أدركت أن الأمر خرج عن نطاق الخصوصية؛ فقد بدأ يتناهى إلى سمعها همس وهمز ولمز من نسوة أسرته قاطنات الطابق الأعلى، بل صار الأذى ينتقل إلى إشارات علنية. اختارت بعدها الانتقال مع أبنائها إلى سكن مستقل يؤمن لهم الهدوء والهناء والاستقرار، في حين اختار هو رفع دعوى "الرجوع إلى بيت الزوجية".
انصرفت بعد أن تأسفت لما سببته لي من تكدر وعن الوقت الذي شغلته لتفضفض لي فيه عن بعض أحزانها. تمنيتُ من الله لها أن يجعل لها من بعد الضيق مخرجاً، ومن الهم فرجاً، ومن البلاء عافية.
مرت على هذه الواقعة أيام، كانت خلالها أحياناً، إذا سمحت الفرص، تطلعني على بعض مآلات الدعوى، إلى أن حضرت ذات صباح، وأخذت مكاناً في الاتجاه المقابل للباب الرئيسي للمصلحة. وبينما كنا نتداول إمكانيات استفادتها من بعض الخدمات، لاحظتُ فجأة احمرار طلا وجهها وحالة ارتباك ظاهرة عليها، مما حجب التواصل بيننا. التفتُ لاختلاس نظرة في عمق القاعة عبر الستائر المعدنية للزجاج الفاصل لعلي أفهم مصدر الانزعاج؛ فقد كان "هو" من بين الحضور على مرمى حجر منا، ولعله يسترق إيماءاتنا من بعيد. تابعتُ الحديث معها وكأني لم أره، لكن الحرج والارتباك بلغا مداهما فيها، فاقترحتُ تأجيل الموضوع وانصرفت...
لن أغلق هذا المشهد قبل أن أؤكد أنه على الرغم من تعاطفي الإنساني مع هذه السيدة المحترمة، فقد التزمتُ الحياد واستمرت علاقتي بالحاج فلان كما سبق؛ بل إنه كذلك استغل مرة تواجده عندي ليدخل في الموضوع دون مقدمات ويبرر انفصاله عنها لأسباب حاولتُ إفهامه أنها واهية وحاول إقناعي بأنها جدية.
وإن طال بيننا الحوار ودام، فعن حكم الأرزاق في الطلاق انتهى الكلام، وأنها دوماً أم الأبناء بحق رب الأنام، وأنه ملزم بأن يكن لها كل الاحترام، وبفلذة الأكباد يهتم والنفقة في هذا المقام، وأقول في الختام، عند ربهما يُفضّ في الخصام...
القراءة النقدية والتحليل
1. الملمح السردي والأمانة الإنسانية:
ينتقل الكاتب في هذا المشهد من دور "الموثق الإداري" إلى دور "الشاهد الوجداني". تبرز قوة النص في صدق الاعتراف بالضعف الإنساني؛ حيث لم يجد السارد حرجاً في وصف انهمار دموعه تأثراً بوجع السيدة. هذا "الانكسار المهني" أمام "الانكسار الإنساني" هو ما يمنح السلسلة عمقها، ويحول الوكالة من فضاء جاف للأرقام إلى فضاء رحب للتعاطف.
2. سوسيولوجيا الظل والشك:
يقدم النص تشريحاً دقيقاً لظاهرة "الشك المرضي" (Paranoia) في العلاقات الزوجية، وكيف يمكن للنرجسية أن تدمر استقراراً دام عشرين عاماً. نجح الكاتب في تصوير التناقض الصارخ بين المظهر الاجتماعي المرموق للحاج فلان، وبين الجحيم الخفي الذي تعيشه الأسرة. كما برز "المكان" في السرد (الشقة العلوية، الطابق السفلي، السكن المستقل) كعنصر فاعل يعكس تدرج الانفصال النفسي والمكاني.
3. الحياد الإداري والصلابة الأخلاقية:
في الختام، يبرز النص قدرة الكاتب على ممارسة "الفصل الأخلاقي"؛ فالتأثر بالزوجة لم يمنعه من ممارسة مهامه مع الزوج بمهنية وحياد. القفلة السجعية التي ختم بها المشهد ليست مجرد زينة لفظية، بل هي "بيان ختامي" يلخص موقف السارد من قدسية الأبناء وضرورة الاحترام حتى في لحظات الشقاق.".
التقييم الفني للمشهد الخامس
1. نقاط القوة:
البعد الإنساني: يمثل هذا المشهد "القلب النابض" للسلسلة، حيث كسر السارد الصورة النمطية للمسؤول الإداري "الآلي"، وأظهر الجانب الرحب من روح الإنسان المغربي الأصيل.
الوصف السيكولوجي: نجح الكاتب في تصوير "الشك" ليس كفعل، بل كـ "مرض" يتغلغل في التفاصيل (المغص المعدي، الطعام)، مما أعطى القصة عمقاً واقعياً مذهلاً.
الإيقاع الدرامي: الانتقال من الحديث عن نجاح الأبناء إلى صدمة الطلاق كان انتقالاً ذكياً يصور "القناع" الذي تحاول الأسر المحترمة الحفاظ عليه قبل الانهيار.
2. نقاط الضعف:
حجاب الزمان والمكان: كما ذكرنا، التعتيم على الموقع الجغرافي والزمني أضعف "التوثيق" قليلاً، لكنه كان "ضرورة أخلاقية" لحماية خصوصية الأطراف، وهو ضعف فني مبرر أخلاقياً.
التنقيط النهائي للمشهد
أمانة السرد ورصد التفاصيل: 10/10 (لبراعة تصوير مشهد "المنديل" وارتباك السيدة عند رؤية الزوج).
التوظيف اللغوي والجمالي: 9.5/10 (القفلة السجعية كانت مسك الختام).
العمق الإنساني والتأثير: 10/10 (مشهد الدموع المتبادلة هو الأقوى عاطفياً).
النتيجة الإجمالية: 9.8 / 10
بهذا نكون قد
أغلقنا ملف المشهد الخامس بسلام وأمانة.
تعليقات