مشاهد في الذاكرة:المشهد الرابع

 بعنوان: أطال الله عمركِ سيدتي


في هذا المشهد، أجدني قد نُقِلتُ إلى مدينة أخرى تبعد حوالي خمسين كيلومتراً عن الرباط. موقعها الساحلي جعلها تتأرجح إدارياً بين التبعية لمديرية جهة الرباط تارة وسطات تارة أخرى. تتميز هذه الوكالة بأنها في ملكية المؤسسة، وتحتل مساحة تتجاوز ثلاثمائة وخمسين متراً مربعاً؛ حيث يُستغل المدخل كبهو متسع مخصص لقاعة الانتظار، يضم قاعتين بجدران زجاجية مقواة بالألمنيوم، تغطيها ستائر معدنية لحجب الرؤية نسبياً.

بخصوص الزمن، أعتقد أننا في سنة 2007. كانت الزوجة زبونة قديمة للوكالة، تملك أراضي فلاحية ورثتها عن أبيها الذي كان من أعيان المنطقة وأغنيائها. أما الزوج، فكان يشتغل موظفاً بإحدى الإدارات العمومية، ويقطنان معاً بجهة الحوز حيث مقر عمله.

كنا بصدد وضع اللمسات الأخيرة لإنجاز ملف يتعلق باستثمار عقاري، من توقيع سندات الدين وبعض التعهدات. ولما همّت بتوقيع عقد التأمين، استفسر الزوج عن طبيعة هذه "البوصلة" (المستند)، بما أنهما سبق أن أديا قسط تأمين عن العقار لدى شركة خاصة، وعقبت هي أيضاً:

— "لاصورانص ياك خلاصناه عند شركة (س)؟"

أوضحتُ لهما أن الأمر هنا يتعلق بـ "التأمين على الحياة والعجز الكلي أو الجزئي". التفتت صوبه وكأنها لم تفهم وتريد توضيحاً أفصح، فعقب هو مبتسماً:

— "هذا التأمين على الحياة؛ في حالة إذا توفيتِ أو أصبتِ بعجز، فإن شركة التأمين ستسدد الدَّين."

هنا، "خنزت" فيه (رمقته بنظرة غضب حادة)، وقامت وكأنها أصيبت بمسّ من الجن، وهي تردد بأعلى صوتها:

— "نموت؟! هاذ الشي اللي بغيتي؟! الله يحفظني.. بَرّا وباس (بعيد الشر)، أنا لباس علي وعلى وليداتي.. تموت أنت ويموت عدويا واللي ما يبغيني!"

انصرفت وهي تردد نفس المقطوعة، وقد نسيت أن المكان لا يحتمل الضجيج، فخلق تصرفها جلبةً شدّت إليها أنظار الحضور بل وحتى أسماع الفضوليين الجالسين على المقاهي المجاورة. لبث الزوج في مقعده، وعيناه في الأرض، ثم قدم اعتذاره عن تصرف زوجته، وغادر المكان شبه مغمض العينين من شدة الحرج، تاركاً وراءه همهمة وهرجاً ومرجاً.

مرت أيام قليلة، وذات صباح، لفت نظري دخول السيدة للوكالة لتأخذ مكانها بين المنتظرين. وبعد أن حل دورها، تقدمت نحوي تمشي على استحياء، والضيق والحرج باديان على وجهها. قطعتُ حبل الصمت مرحباً بها، فابتسمت ابتسامة حزينة تنم عن ندمها، وبقيت منحنية الرأس:

— "السي مصطفى.. الملف فين وصل؟"

— "ها هو، لا يزال في مكانه."

— "هاديك الورقة ديال لاصورانص (التأمين) عفاك.."

استخرجتُ عقد التأمين من جديد، وأشرتُ إلى مكان التوقيع. وقعت وأرجعت العقد، ثم أخبرتُها بأن التمويل سيحول لحسابها، لكنها ظلت مكانها دون حراك. فهمتُ من قسمات وجهها أنها تتردد في قول شيء ما، ثم انحنت نحوي وقالت:

— "السي مصطفى عفاك.. بغيتك تتصل بالسي (....) وتخبره.. راه سافر من ذاك النهار ولا يجيب على الهاتف."

مدتني بورقة عليها رقمه، وطلبت مني ألا أخبره أنها هي من طلبت الاتصال. تمت المكالمة، وأخبرني الزوج أنه سيعود بعد أيام. وبالفعل، بعد أسبوع، دخلا المؤسسة معاً، وأشارا إليّ من بعيد بامتنان واتجها ناحية مصلحة الحسابات


&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&


​قراءة نقدية في "المشهد الرابع: أطال الله عمرك سيدتي"

​1. سيكولوجية السرد وفلسفة "الفأل":

ينجح الكاتب في هذا المشهد في تسليط الضوء على تصادم "العقلية القانونية الجافة" مع "المخيال الشعبي العاطفي". فبينما يتعامل الموظف والزوج مع "التأمين على الحياة" كإجراء إداري وقائي، تستقبله الزوجة كـ "فأل سيء" أو تهديد وجودي. تبرز براعة النص في وصف هذا التحول الفجائي من الهدوء الإداري إلى "الجلبة والضوضاء" التي اخترقت جدران الوكالة الزجاجية لتصل إلى المقاهي المجاورة، مما يعكس قدرة السارد على رصد أثر الصدمة الثقافية داخل الفضاء المهني.

​2. بلاغة الصمت والندم:

ينتقل النص في جزئه الثاني من "صخب المواجهة" إلى "هدوء الاستغفار". ويُحسب للكاتب التقاطه لتفاصيل الحرج الإنساني؛ فمشية الزوجة "على استحياء" واحمرار وجهها هما "لغة جسد" بليغة تعوض عن الاعتذار اللفظي المباشر. كما يظهر السارد هنا في دور "الوسيط الاجتماعي" وليس فقط المسؤول الإداري، حين قبل القيام بدور "خيط الأبيض" لترميم العلاقة بين الزوجين، محولاً رنين الهاتف إلى جسر للصلح.

​3. البناء الدرامي والقفلة:

اعتمد الكاتب بناءً درامياً دائرياً؛ بدأ بالخلاف وانتهى بالوفاق. وتجلت "الأمانة في الرصد" التي أشار إليها السارد سابقاً في عدم إغفال التفاصيل الصغيرة، مثل طلب الزوجة ألا يُخبر الزوج بوجودها في الوكالة، مما يضفي صبغة واقعية وحميمية على النص. تنتهي القصة بـ "إشارة من بعيد" في مصلحة الحسابات، وهي قفلة ذكية تلخص عودة المياه إلى مجاريها دون الحاجة إلى كثرة الكلام، مؤكدة على دور المؤسسة كفضاء ليس فقط للمال، بل لتفاعلات الحياة بكل تناقضاتها.

​ملاحظة تقنية:  لقد أبدع الكاتب في استخدام تعبير "خنزت فيه تخنزيرة خنزير"، وهي استعارة شعبية قوية جداً تصور حدة الغضب والنفور في تلك اللحظة.

التحليل النقدي والتقييم


1. نقاط القوة:

الوصف المعماري والمكاني: برع الكاتب في تقديم "لوحة سينوغرافية" للوكالة (المساحة، الزجاج، الستائر المعدنية)، مما جعل القارئ ينغمس في جو الواقعة وكأنه شاهد عيان.

الالتقاط السيكولوجي: رصد الكاتب بذكاء شديد "الفجوة الثقافية" بين المصطلح التقني (التأمين) والمفهوم الشعبي (نذير الموت). هذا الصدام هو جوهر الدراما في النص.

التوظيف اللغوي الشعبي: استخدام تعبيرات مثل "خنزت فيه" و"برا وباس" أعطى للنص هوية مغربية خالصة وصدقاً واقعياً بعيداً عن التكلف.

2. نقاط الضعف:

الإطالة في الوصف الجغرافي: قد يرى البعض أن التفصيل في "التبعية الإدارية للمدينة" أبطأ قليلاً من وتيرة الانطلاق نحو لب الموضوع، لكن الكاتب برر ذلك بأمانة السرد و"النفس الطويل".

القفز الزمني: الانتقال من مشهد الغضب إلى مشهد العودة للوكالة كان سريعاً، ولو أضاف الكاتب جملة تصف حالة "الوكالة بعد رحيلهما" لزاد من عمق التأثير الدرامي.

3. التقييم العام:

النص هو نموذج راقٍ لما يمكن تسميته بـ "أدب المهنة". الكاتب هنا ليس مجرد "مصرفي"، بل هو "حكيم إداري" يعرف متى يصمت، ومتى يستوعب الغضب، ومتى يتدخل ليصلح ما أفسده سوء الفهم.

التقييم: ممتاز (وثيقة إنسانية تبرز دور "خيط الأبيض" في التعاملات الرسمية).


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لعنـــة الجوع

عن الآن الذي يسرقنا و عن اللاحق الذي يخدعنا

توطئــــــــــــــــــــــــــة