مشاهد في الذاكرة:المشهد الثاني
المشهد الثاني / بعنوان : ومن الغَيْرَة ماقتل.
في أواسط التسعينيات كنت أعمل مسؤولا ب ص.م بمنطقة الغرب على بعد كيلومترات من مدينة القنيطرة، من مميزات هذه المنطقة حينئذ أن الأرض يحكمها العرف وليس القانون العقاري وأن للولد الذكر الواحد دور ترجيحي في تحديد مصير الزوجة حيث قد تقصى من حق الانتفاع ولو كان لها عشر بنات، أعتقد أن هذا العرف لم يعد ساريا اليوم بفضل نضال ما يعرف بالنساء السلاليات، كما تتميز كذلك بشيوع ظاهرة تعدد الزوجات ولعل السبب، الرغبة في تكثير الخلفة الذكور للاستفادة من حق الانتفاع من مساحة أكثر من الأرض.
دقت الباب ودخلت امرأة في الأربعينيات من عمرها، يبدو من سحنة وجهها ولكنتها أنها شمالية الأصل، استأذنت بالجلوس، مكثت بعض الوقت قبل أن يفك عقال لسانها، قدمت نفسها أنها زوجة فلان الفلاني، لقرب عهدي بالمكان لم أعرفه بل طلبت معونة أحد المساعدين الذي نبهني بوجود المِلَفّ فوق مكتبي، بعد انصراف هذا الأخير رفعت عينيها إلى الصورة وأشارت أنه هو زوجها، ثم واصلت تشير إلى أنها جاءت لتنبهني منه وأنه شخص مبذر، ويسرف المال في الملاهي و النشاط وأنها ضبطته عدة مرات في دور الفساد وعدلت عن متابعته اعتبارا لبنتهما...و أردفت أن كل الماشية التي بحوزته هي في ملك بعض الأغيار، و الفلاحة يستغلها مشاركة مع بعض أصحاب المال ....واستمرت في استظهار كل السيناريوهات التي حفظتها عن ظهر قلب بما في ذلك حكاية ارتباطهما، وعشقه وولهانه بها واشتراطها عليه عدم الزواج عليها ورغبته الأكيدة اليوم في النكوث بهذا العهد، المهم أنها أوجعت رأسي بالكلام دون توقف باستثناء حين تردني مكالمة في الهاتف أو يلج المكتب أحدهم، ولم افلح في مقاطعتها إلا حين وقفت من مكتبي وتصنعت الرغبة في الانصراف......
كان الخميس هو يوم السوق في القبيلة التي تقطنها هذه السيدة ، ولتسهيل التواصل مع المتعاملين كنا نتنقل إلى السوق حيث خصصت لنا الجماعة و السلطة، قاعة نقضي فيها اليوم و نمارس عملنا بكل أريحية بل نشمل بكرم القبيلة ومودتها، طلبت حضور المقدم و الشيخ، اللذان أفهماني أن الأمر يتعلق برغبتها في منعه من الزواج من ثانية وأنها لذلك تخلق له متاعب عند الدرك الملكي وفي جميع الإدارات.
خلال مراجعتي للملف تبين بأنه من خيرة المتعاملين مع الوكالة، يستفيد بسلفات مهمة ويسدد دوما قبل الأوان، لذلك تم عرض ملفه على اللجنة المعنية التي يترأسها رئيس الدائرة من أجل الاستجابة لطلبه بالإيجاب.
الغريب أنه وقبل إنجاز المِلَفّ، جاءتني مرة ثانية وقبل أن أصدها ظهر زوجها من خلفها، جلسا كزوجين مثاليين منسجمين تغمرهما السعادة، بل أحسبهما نسيا وجودي أحيانا وهما يتراشقان بالأيدي، ويتلاومان ويتعاتبان بحنية وأصبحت تناديه السي الطاهر بعد أن كان في جلستها الماضية الطويهر ....بعد حين سار الحديث ثنائيا بيني و الزَّبُون حول الفلاحة والمنتجات والجهات التي يسوق لها الأرز و الشمندر السكري والماشية وكانت تتابع الحديث وهي تحرك رأسها تأكيدا واتفاقا لما يقول وكلما ركزت النظر فيها أنزلت عينيها إلى الأرض وكأنها برموش عينيها تمحي كلما ادعته قبل أيام وتتلون بَشَرَة وجهها احمرارا وكأني بها تقول " عافاك استر ما ستر الله" المهم تبين من المناقشة أنه من المنتجين الحرفيين الذي علينا تشجيعهم، انتهت الزيارة بأن وعدته باللقاء يوم الخميس لإمضاء العقود و إنجاز المِلَفّ، قام مودعا في حين تثاقلت هي في الوقوف، وانحنت تهم تقبيل يدي، سحبت يدي بخفة وهي تهمس " الله يرحم والديك أسيدي " لم يذهلني تصرفها لأني فهمت أنها تشكرني لعدم إفصاحي عن مضمون زيارتها السابقة لأن ذلك كان سيحرجها وقد يضعف وضعها أمام زوجها.
خرجت في اثرهما دون أن يشعرا وهما ينزلان سلم الدرج، همست في أدنه بصوت مسموع "أرأيت كلما قيل لك من قبل الفتانين كان مجرد كذب وافتراء......"
في يوم السوق علمت انه ثم ترضيتها بجزء من الماشية و اشترى لها محلا للسكن في أحد الأحياء الهامشية للمدينة و المؤهلة للاستفادة ببرامج محاربة السكن الغير اللائق، وأنه سيعقد قرانه بإحدى بنات القبيلة في الأيام القادمة.
وإلى لقاء في المشهد الثالث
★★★★**""""""“********★**********************
1. المناقشة والتحليل ( كما صاغها الذكاء الاصطناعي)
البعد السوسيولوجي (سياق الأراضي السلالية): ينجح الكاتب في تقديم خلفية واقعية جداً لمناطق "الغرب" في تلك الفترة. تسليط الضوء على "العرف العقاري" وتفضيل الذكور في حق الانتفاع لم يكن مجرد تفصيل هامشي، بل هو المحرك الأساسي لدراما القصة. فالغيرة هنا ليست عاطفية فقط، بل هي "غيرة بقاء" في ظل نظام اجتماعي يربط قيمة المرأة بوجود الزوج أو الولد الذكر.
سيكولوجية الشخصية (التحول من الطويهر إلى السي الطاهر): هذا هو أجمل تفصيل في المشهد. قدرة الكاتب على رصد تبدل المصطلحات (من التصغير والتحقير إلى التوقير والتدليل) تكشف عن ذكاء المرأة الفطري في المناورة للحفاظ على مكتسباتها. الصمت الذي مارسته في الزيارة الثانية، واحمرار وجهها، واستجداء الستر بعينيها، كلها "لوحات صامتة" أبلغ من أي كلام.
دور المسؤول كـ "قاضي صلح": يظهر الكاتب هنا في صورة المسؤول الذي لا يكتفي بالجانب التقني (الملف والقرض)، بل يمارس دوراً اجتماعياً لحماية الأسر من الانهيار. الهمسة في أذن الزوج عند سلم الدرج كانت "ذروة الحكمة"؛ فهي من جهة برأت الزوجة من وشايتها (بتحميلها لـ "فتانين" مجهولين)، ومن جهة أخرى حفظت وقار الزوج وشجعته على المضي في إنتاجيته.
2. التقييم
الأمانة في الرصد: النص عالٍ جداً من حيث الصدق الواقعي. لم يحاول الكاتب تجميل الواقع أو القفز على "التسوية" التي انتهت إليها القصة (التي شملت الزواج بثانية)، بل نقلها كما هي في بيئتها وزمانها.
التشويق السردي: المشهد مبني بطريقة تصاعدية ممتازة؛ من "الدخول العاصف" للزوجة، مروراً بـ "المفاجأة" في الزيارة الثانية، وصولاً إلى "مشهد الدرج" والهمسة الأخيرة.
اللغة: لغة رصينة، تمزج بين المصطلحات الإدارية (حق الانتفاع، سلفات، اللجنة المعنية) واللغة الوجدانية الحية، مما يمنح النص صبغة المذكرات التاريخية الممتعة.
3. الخلاصة (الاستنتاج)
يكشف هذا المشهد أن "الإدارة" في المغرب خلال التسعينيات، خاصة في المناطق القروية، كانت تتطلب من المسؤول أن يكون عالماً بالأنثروبولوجيا وخبيراً في النفوس قبل أن يكون مديراً. الاستنتاج الإيجابي هو أن "الستر" في تلك اللحظة كان هو "القانون" الأسمى الذي منع تفكك الأسرة، وجعل المرأة تخرج ممتنة (بتقبيل اليد) والزوج يخرج مطمئناً.
ما عاشه الكاتب في تسعينيات "الغرب" كان حقبة "سلطة العرف"، حيث كانت المرأة السلالية "مغيّبة" قانوناً ومسحوقة عرفاً، لا تملك من أمرها إلا المناورة العاطفية أو الوشاية لضمان حق الانتفاع أو الحفاظ على سقف يأويها.
المفارقة بين الزمانين:
من العرف إلى مدونة الأسرة: اليوم، لم يعد "السي الطاهر" يملك تلك السلطة المطلقة للزواج بالثانية بمجرد رغبته في "تكثير الخلفة". فمسطرة التعدد في قانون الأسرة الحالي وضعت شروطاً تعجيزية (بناءً على مبدأ العدل والقدرة المالية المثبتة)، والأهم من ذلك أنها منحت الزوجة الأولى صوتاً قانونياً مسموعاً أمام القاضي، لا مجرد "وشاية" في مكتب مسؤول إداري.
نضال السلاليات: عن "النساء السلاليات" هي مفصل تاريخي؛ فبفضل نضالهن لم يعد "الولد الذكر" هو المعيار الوحيد للوجود العقاري. القوانين الصادرة في 2019 (خاصة القانون 62.17) أقرّت مبدأ المساواة بين الجنسين في الانتفاع من الأراضي السلالية، وهو ما كان سيغير "تكتيك" تلك السيدة الشمالية تماماً لو عاشت في زماننا؛ فحقها في الأرض صار مستقلاً عن زواجها أو إنجابها للذكور.
من "الستر" إلى "الحق": كان "الستر" الذي منحه المسؤول هو طوق النجاة الوحيد للمرأة. اليوم، انتقلنا من منطق "الاستجداء والستر" إلى منطق "المطالبة بالحق والمواطنة".
ختاماً للتحليل:
المشهد الثاني هو "أحفور سوسيولوجي" نادر؛ إنه يصور لنا كيف كانت تدار الأزمات في زمن "ما قبل القانون الحديث". تلك "التسوية" (بيت مقابل ضرة) التي بدت آنذاك حلاً عبقرياً ومنصفاً، قد تبدو اليوم في ميزان حقوق الإنسان قاسية، لكنها كانت "قمة الممك
ن" في ذلك السياق الزماني.
تعليقات