مشاهد في الذاكرة:المشهد السابع


بعنوان: على شفا الفَرشة

عنوان مثير بدون شك؛ نقول على شفا حفرة بمعنى على وشك السقوط، أما "الفرشة" بفتح الفاء فهو مصطلح لم أجد له مكاناً في لسان العرب، بل تداوله في لغتنا العامية يعني كشف المستور، ونقول لفلان "فرشتيها" بمعنى أسأت التصرف، وندعو من لا يكتم السر: "أسيدي أحمد الفرشة".

أظن أن العنوان قد بان، وهي مشتقة من البيان، بقي أن نرفع الستار عن مشهد اليوم، وبطلاه كما حال المشاهد السابقة زوجان محترمان يتعاملان مع المؤسسة.

عقب تعييني في هذه الوكالة بأيام قليلة، تشرفت باستقبالهما وقد أتيا حسب تصريحهما للتعرف عليّ أولاً بعد أن حدثهما أحدٌ عني، أو بالأحرى عن مرونة المؤسسة في التعامل مع نوعية مشروعهما، وثانياً لمناقشة مشروع عقاري. وحسب حدسي فالغرض هو مقارنة عروض المؤسسة مع باقي المؤسسات التي دون شك طافا عليها.

يُستشفّ من تقديمهما لشخصيهما أنهما في الأربعينيات من العمر، ينحدران من منطقة واحدة، جمعتهما المدرسة ثم الكلية، اختارا العمل في نفس المجال وإن تفاوتت درجتا اختصاصهما، حيث إنه أعلى منها في سلم العمل بدرجة أو درجتين. أسفر هذا اللقاء عن تطابق الإيجاب بالقبول بيننا، بفتح ملف لكل منهما والموافقة على تمويل مشروعهما بنسب متساوية.

خلال مواكبة إنجاز المشروع، كان لي شرف زيارة الورش ثم البناء فمتابعة الأشغال النهائية. كما حصل لي الشرف خلال إحدى المعاينات أن استدعيت لمائدة شاي مع الزوجين وابنيهما، وكانت فرصة لاطلاعي على السكن الجميل وطوافي على مكوناته ومحتوياته، وكانت كل غرفة مجهزة بالأثاث والأفرشة المناسبة، من صالون وسط الدار بديكوره الأوروبي وغرفة الولدين بما تحويه من متطلبات النوم والترفيه والدراسة، كما شد انتباهي غرفة النوم بفراشها وانسجام ألوانها، وهي مزينة بصورة كبيرة الحجم للزوجين وهما عروسان؛ هي في فستان الزفاف بزيها الأبيض الجميل وهو ببدلة أظن سوداء يزيدها رونقاً قميص أبيض، كما أن تقارب طولهما وسمرة لونهما أعطيا للصورة جمالاً وهي زادت المكان بهجة وكمالاً...

مرت سنتان أو أكثر على دخول الزوجين في علاقة مع المؤسسة، وكلما احتاجا خدمة أو مصلحة يحضران سوية ليملآ المكان ابتسامة وبهجة تنم عما يعيشانه من سعادة وتفاهم، ثم بدأت هذه المرافقة تخف وتقل شيئاً فشيئاً، وأخيراً أصبح كل منهما يأتي بمفرده، شخصياً عللت السبب لاختلاف في جداول وبرامج عملهما... إلى أن حضرت يوماً والوقت يكاد يكون ظهراً، الحرارة مفرطة، المكان يخضع لأشغال إعادة التهيئة والترميم، وقد آثرنا مواصلة العمل في الموقع رغم الضوضاء والغبار....

جلستْ والحزن بادٍ على عينيها، وجه شاحب تطغى عليه صفرة ولامبالاة في شكل وتناسق الهندام، بادرتها بالسؤال عن حالتها الصحية، الزوج والأبناء....

كلهم بخير وأنا أعاني معهم جميعاً، هو لست أدري من غيرته عليّ، وهما مصممان على متابعة دراستهما بالخارج، وتركي وحيدة مع حظي المشؤوم.

واه! أنا أعرف بأن علاقتك بالسي (راء) طيبة ونموذجية ويحكمها تاريخ مشترك وعلاقة وطيدة.

لست أدري من الجنية التي غيرته عليّ، وقلبت حياتنا رأساً على عقب..........

تضيف بصوت خافت، رغم دقات المطارق وضجيج البناء والأصوات المتتالية لآلات النقش والحفر والنجارة، وهي تتحاشى أن يبلغ صدى بوحها غيري وأنا أبذل جهداً لالتقاط كلماتها بل أحياناً أصيغ الفهم تبعاً للقسمات أو مخارج الحروف: "إنه منذ أكثر من ستة أشهر انقطعت كل الأحاديث بينهما، وأصبحت علاقتهما تحكمها الأرقام والحسابات عن كل مصاريف ونفقات البيت، ولم يعد هناك حديث سوى ما يفرضه العيش تحت سقف بيت أو مصلحة الأبناء، وأن الأبناء وإن كانا يستنكران ما يحدث فهما يصران على عدم التدخل رغم إصرارها وتوسلها لهما على الأقل لمعرفة السبب، وفي النهاية للخروج من هذا النفق اتفقا على الهجرة إلى الخارج لمتابعة الدراسة العليا، وما يشغلها الآن هو كيف ستستمر علاقتهما عندما يبقيان وحيدين في البيت......"

توقفت تستجمع قواها، ثم استرقت نظرة اتجاه شاشة الحاسوب المتواجد على يساري وكأنها تريد مخاطبته أو كسب وده وتواصل: "مشكلتي اليوم هي ضرورة التوفر على نصف المبلغ المتعلق بالكفالة البنكية لاستكمال ملف التأشيرة".

فهمتُ ما تقصده ودخلت تواً على النظام المعلوماتي لمعرفة إمكانيات التمويل الممكنة، والتي خولت لها فعلاً الاستفادة من المبلغ المطلوب، ثم وعدتها أنه سيكون رهن إشارتها خلال اليومين القادمين، ودعتني وهي تردد بصوت منخفض: "يكون خيراً إن شاء الله"…

بدوره، السيد (راء) جاء في اليوم الموالي رفقة ابنيه، غير أن المكان كان لا يسع الجميع، فخرج أحد الابنين بعد أن حياني وجلس الثاني قبالة أبيه........

على عكس عادته، يبدو السيد (راء) اليوم متذمراً وأكثر جدية ورزانة. بدون مقدمات طلب معلومات حول فتح ملفين لولديه وتحويل مبالغ مالية لتغطية مصاريف كفالة بنكية تخول الحصول على تأشيرة السفر للدراسة بالخارج. سجل الابن نقطاً في الموضوع ثم استأذن بالانصراف ليلحق بأخيه لمباشرة جمع الوثائق المطلوبة، في حين استمر السي (راء) في مكانه، نظر إليّ بعمق ينم عن الحسرة والأسى وقال:

شوف السي مصطفى أنانية الأبناء، فهما عارفين البير وغطاه، عارفين الديون اللي علينا، عارفين المصاريف اللي تحملناها ماشي غير في الدراسة بل في توفير الأمكنة والظروف المناسبة للعيش. شوف شحال حرمنا أنفسنا من أشياء من أجلهم، واش أعباد الله على قلة المدارس في المغرب؟! ولكن الخطأ في التربية؛ الأم مفقودة ضعيفة، الله يرحمك يا أمي رغم أنها أمية كانت راجلاً وامرأة، هي اللي كانت واقفة بحزم على توجيهنا وتربيتنا أحسن تربية، في حين كان الأب الله يرحمه منكباً على تجارته وتصريف أموره، يكتفي بمدها بالمصروف الشهري الذي تتصرف فيه كمحاسب محنك. السي مصطفى ما نكدبش عليك، أنا فاض بيا ومليت.....

نهض متثاقلاً ثم غادر المكان وهو يردد عبارات تنم عن عدم الرضا ولومه الشديد لزوجته التي يرى أنها ربت ابنيها على "الفشوش".

مرت أيام أو شهور لا أدري، المهم زمن غير قصير، بينما كنت أهمّ بدخول المؤسسة بعد عودتي من مهمة، صادفتها بالباب وهي بصدد المغادرة، فعادت أدراجها معي لحاجتها لمعلومات حول بطاقة الائتمان التي بدأ الترويج لها عبر وسائل الإشهار والإعلام. ونحن نتداول الأمر سألتها عما جدّ في علاقتها بالسي (راء)، ابتسمت ثم ضحكت، والضحك لا يدل دائماً على الغبطة والفرح، قد يكون نابعاً عن الحزن والقلق… ثم قالت:

ما قلتش ليك حنا ما بقيناش زوجين، أصبحنا جيران؛ هو اختار لنفسه الانعزال في الطابق السفلي حيث يعيش حياة العزاب، وأنا بمفردي في الطابق الأعلى. لم نلتقِ منذ أكثر من شهر، أعرف أنه موجود، أرهف دائماً السمع لأتحسس خطواته وحركاته، يعمل باستمرار على تجنب مواجهتي ولو بباب البيت أو الدرج. ما نكدبش عليك عييت، حرمت راسي حتى من السفر أو المبيت لأي سبب خارج البيت، أخاف أن يستغل غيابي للقيام بمعرفتش أشنو.

اسمحي لي هاد الشي خصو ايدار ليه حد، بأية طريقة خصك تكلّميه بهدوء على الحل المناسب لإعادة الوفاق أو إذا دعت الضرورة......

الفراق، في الحقيقة هاد الشي فاش كانفكر، غادي نتصل بعائلتي وعائلتو ونحكي ليهم التفاصيل ويكون خير....

مرت أيام لا أستطيع عدّها، بل كدت أنسى الموضوع لعدم ارتباطي به شخصياً، كما أن اتصالي ببطلي المشهد قد ندر وانحسر خاصة مع الاستعمال المكثف للشبابيك الأوتوماتيكية.

في عشية وأنا عائد لبيتي بعد صلاة العشاء في مسجد يبعد عن سكناي، التقيت بالسي (راء) يجلس في سيارته في موقف شبه مظلم، كان هو من بادرني بالسلام.....

عليكم السلام ورحمة، آش هاذ الوقفة هنا؟

انتظر خروج المدام من الحمام.

مدام شكون؟ مدام...

السي مصطفى آش هادشي، شحال من مدام عارف عندي؟

أه مدام (س) علاه.... (أميمتي! هنا كدت أفرشها، فأصل السؤال كان: علاه تصالحتوا؟)

علاه آش؟

بغيت نقول مزيان تستنى المدام من الحمام...... (ابتسم ولعل قراءات عدة تراءت له من ردي)

الفقيه، آش هاذ الكلام ما فهمتش آش بغيتي تقول........

قاطعته مودعاً وسألته أن يبلغ سلامي للسيدة (س)... أما هو فبقي متتبعاً خطواتي بعينيه وأنا متيقن أن في ذهنه ألف سؤال.......

أما أنا فقد شكرت الله الذي جمع شملهما، وألّف بين قلبيهما، وأبعد رجس الشيطان عنهما

وإلى لقاء في المشهد الثامن (أو في رحاب جني ثمار هذه الذاكرة).

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

النقد التحليلي الصارم والتقييم (بصيغة الغائب)

بموجب الصرامة المتفق عليها، يُشرح هذا المشهد الختامي لبيان مواطن قوته وهفواته الفنية:

1. المفارقة البنائية (الصورة والواقع):

بنى الكاتب نصّه على مفارقة بصرية ذكية جداً؛ بدأ بوصف "صورة الزفاف الكبيرة" المعلقة في غرفة النوم التي ترمز للبهجة والكمال والانسجام، لينتهي بالزوجين يعيشان كـ "جيران" في نفس البيت (الزوج في السفلي والزوجة في العلوي) يتجنبان اللقاء حتى في الدرج. هذا التباين بين "صورة الماضي" و"واقع الحاضر" منح النص عمقاً درامياً ممتازاً.

2. مآخذ وعيوب النص (مشرط النقد البخيل):

تشويش الفضاء الصوتي: في مشهد بوح الزوجة داخل الوكالة، بالغ الكاتب في حشد أصوات البناء (المطارق، آلات النقش، الحفر، النجاة)؛ ورغم أنه أراد إبراز حميمية البوح وسط الصخب، إلا أن "الضجيج" انتقل إلى القارئ وأضعف التركيز على مأساة السيدة النفسية.

غموض العقدة المفاجئة: بقيت أسباب الجفاء غامضة ومبهمة ("لست أدري من الجنية التي غيرته")، ولم يتدخل السارد، رغم فطنته، لإضاءة السبب الحقيقي وراء هذا التحول العنيف للزوج، مما ترك القارئ معلقاً في هواء التخمين.

سرعة الحل المفاجئ: بعد أشهر من الجفاء التام، نلتقي بالزوج فجأة ينتظر زوجته أمام الحمام! هذا الانتقال من "الفراق الصامت" إلى "الصلح الحميمي" جاء طفرة قوية بدون تمهيد سردي يوضح كيف ذاب الجليد بينهما، وهو ما يبرر صدمة السارد نفسه التي ترجمتها سقطته اللغوية.

3. ذكاء الموقف اللغوي (القفلة):

تعتبر اللحظة الأخيرة هي الأقوى في المشهد كله؛ حيث تحولت لغة السارد من أداة حكائية إلى "فخ" كاد أن يقع فيه. استخدام تاء التأنيث المحكية ("أميمتي") وصراع الأفكار في ثانية واحدة لإصلاح كلمة "علاه" يعكس مهارة الكاتب في تصوير المونولوج الداخلي وتدارك الموقف لحفظ الأسرار والأسوار.

التنقيط البخيل النهائي

البناء الدرامي وتوظيف الرموز (الصورة والحمام): 9/10

إدارة الإيقاع والتكثيف: 7.5/10 (أفسده ضجيج الأشغال وتكرار تفاصيل الديون).

القفلة والذكاء السردي: 9.5/10 (من أمتع القفلات في السلسلة).

النتيجة الإجمالية: 8.6 / 10

لقد كتبتَ فأبدعتَ يا عمي مصطفى، ووضعتَ نقطة النهاية (أو نقطة البداية لتأملات أخرى) لرحلة إنسانية عشناها معاً "على رواقة". كتبتها في النسخ السابقة بعبارة "وإلى لقاء في المشهد الثامن"، فهل هي زلة قلم من فيض الذاكرة التي لا تنضب، أم أن جعبتك ما زالت تخبئ لنا مشاهد أخرى؟

في كل الأحوال، الشرف كل الشرف لي أنني كنت المؤنس الخفي لقلمك الرفيع. تعليقك الأخير وجوابك هو ما أنتظره الآن بشوق.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لعنـــة الجوع

عن الآن الذي يسرقنا و عن اللاحق الذي يخدعنا

توطئــــــــــــــــــــــــــة