المشاركات

مشاهد في الذاكرة: المشهد الأول: زلة لساني

 المشهد الأول: زلة لساني حدث هذا في أواخر الثمانينيات، حين كلفني مدير الوكالة ببنسلي آنذاك، المرحوم (ع. الدمغي)، بمرافقة أحد الزبناء في سيارته لزيارة ضيعته بمنطقة سيدي يحيى زعير. كان بمعية هذا الزبون امرأة شابة وطفل صغير. مع بداية الجولة قدم لي الرجل نفسه؛ أخبرني أنه إطار متقاعد فضل الانزواء في البادية ليستثمر ماله ويعيش الهدوء الذي حُرم منه خلال أربعين سنة من العمل. استمر طوال الرحلة يحدثني عن تجاربه، نجاحاته، وإخفاقاته، وعن حلو الإدارة ومرها، إلى أن بلغنا مدينة بوزنيقة حيث دعاني لنتقاسم طبق شواء. ونحن نتناول الغداء، استمر في الحديث لتنشيط الجلسة، وبين الآونة والأخرى يرحب بي ويحثني على الأكل، بينما كانت المرأة تطعم طفلها تارة وتكتفي ببعض القطع تارة أخرى، وتتابع الحوار بنظرات ملؤها الاحتشام والاحترام. بعد أن انتهينا، قال لي مجاملاً: — "السي مصطفى، ما كليتي والو..." فأجبته بعفوية: — "لا لا، أنا أكلت كفاية، الدّرية بنتك هي اللي ما كلات والو!" بداية من هذه اللحظة أطبق الصمت.  توقف الرجل عن سرد أحداثه،  ولم أنتبه لزلة لساني إلا ونحن على مشارف سيدي يحيى زعير، حين بادر لل...

غفـــــــــــــــــــــــــــــوة

  غـــــــفـــــــــوة (خاطرة موسم حصاد 1994) في موسم حصاد صيف 1994 وبالضبط في منطقة الغرب  اتفقت مع زملائي ، العمل في صبيحة يوم سبت وهو عطلة أسبوعية  قصد دراسة و إتمام عدد من الأشغال المتأخرة  ، وبينما الكل منهمك في ملفاته ،  وجدتني دون أن أشعر مستغرقاً وسط هذه الخواطر، حيث مرت الساعات الثلاث كلمح البصر (أو: كأنها دقائق معدودة)، لأستفيق من غفوتي وأجد الملفات متراكمة أمامي...  ، انصرف الجميع حوالي الساعة الثانية عشر زوالا  وبقيت منفردا في الإدارة أعيد البت و التأشير في جميع الملفات مما تطلب مني مواصلة المداومة لغاية الرابعة والنصف مساء وكانت هذه الضريبة المؤذاة عن هذه الخاطرة   عل ى ربوةٍ قرب الوادي وقفتُ أتأمل…  سكون الكون وهدوء العاصفة  وكلي أملٌ في طول البقاء، وأن لا أمل  وحدتي… وسحر الوادي… وروحي الطائفة بقرب الماء وتحت الشجر  غفوتُ عن دنيَا البشر  ومن خلف أغصان الشجر  بزغ القمر ومن كبد السماء  نطق القمر  يا عمرو… لِمَ خلوك بلا أنيس؟  ما خطبك؟ وما الأثر؟  يا عمرو… أترتضي بي جليس؟  علّ...

قطوف من حروف محفورة في الذاكرة

  قطوف من حروف محفورة في الذاكرة   عتبة المسار: من شتلة "شارع الجزائر" إلى نخيل "الوفاء" (1977 - 1991) ١. في حضرة الرباط: برزخ الانتظار (صيف 1977) كان صيف الرباط عام 1977 يفيض بحرارة البدايات الواعدة. في شارع الجزائر، وأمام هيبة الإدارة المركزية، وقفنا نحن الثلاثة؛ شبابًا في مقتبل العشرين، نقبض على رسائل التوجيه كأننا نقبض على أقدارنا. تباينت ملامحنا بتباين حواضرنا المغربية: • السي محمد ع. (ابن وادي زم): فارع الطول، تسبقه جسارة واضحة؛ اختار مدينته وبعض الضواحي وقرر ألا يحيد عن ميله قِيد أنملة. • السي أحمد ي. (ابن بني ملال): أقل طولًا وأكثر صمتًا وحذرًا، أجوبته مقتضبة، و هَمْسٌ لا يغادر رجاءه بأن يُعيّن بمدينة بني ملال أو المدن القريبة منها. • المصطفى ر. (الراوي): الأكثر حركة ووجلًا في آن واحد. دونتُ خياراتي، وفي لحظة إلهام أضفتُ "بن سليمان" ؛ الاسم الذي ظل يتردد في مسمعي منذ الطفولة، ربما لأن مسكننا كان يربض على ضفاف الطريق المؤدية إليها. ٢. الرعشة الخفية ونداء "السي الطويل" توالى دخول الرفاق، وبقيتُ وحيدًا بقربي السي أحمد، أصارع "رعشة...

عن الآن الذي يسرقنا و عن اللاحق الذي يخدعنا

عن الآن الذي يسرقنا و عن اللاحق الذي يخدعنا   بسرعة البرق، تعبر بنا الأيام ، ن صٌ مباغتٌ طرق باب ذهني  فأذهلني بوضوحه. تركتُ كل ما بيدي لأعيد صياغته وكأن اليوم قد وُلد للتو السادسة مساءً..  كيف وصلنا هنا بهذه السرعة؟ بالكاد استقبلنا الاثنين فإذ بنا على عتبات الجمعة انتهى الشهر وكاد العام أن يطوي صفحاته. مرت أربعون، خمسون، بل ستون سنة وها أنا أصافح السبعين من شرفة العمر ​أدركتُ أخيراً  أنني فقدتُ أحبةً كُثراً وأصدقاء بلا عدّ وأيقنتُ – بل نوقن جميعاً –  أن الوقت لا يملك طريقاً للعودة لذا.. فلنحاول استقطار الزمان مما تبقى من وقت. قد نودع الحياة بعد لحظة  وقد نمضي دون تلويحة وداع.. دعونا لا نتوقف عن البحث عن الأنشطة التي نستمتع بها  دعونا نصبغ الرمادي ببياض الأمل ونبتسم للتفاصيل الصغيرة  فالابتسامة في وجه الأخ صدقة ونستثمر ما تبقى من رأسمالنا المعنوي ولنملأ "قفتنا" بما ينفعنا في يومٍ لا يُغني فيه مالٌ ولا بنون ​أولاً، لنعلن الحرب على مرادفات "اللاحق" "سأفعل ذلك بعد قليل..." "سأبوح به لاحقاً..." "سأفكر في الأمر في وقتٍ آخر..." نؤجل كل شيء  ...

إلى روح أعز الناس

بد اية الرحيل السبت، 15 يونيو 2024 (يوم عرفة 1445)  غابت عن دنياي أحلام ،كنت أعيش لها. و تراودني ٱمال وٱمال  حاولت تخطي الصعاب ،   طرقت كل الأبواب  مستعينا على الدنيا بباريييها  لكن  ساعة الفراق دقت ،وكلي اشتياق  و مثل الورق قلبي احترق  فحكم الله قضى أن نفترق. لم يعد باليد حيلة و لا دواء  فقط لحظات من البكاء  أسرقها ولو على استحياء  وأجمع كفي ،في كل دعاء  رحمة الله عليك وإلى لقاء  في جنات الله ،جنات الخلد و البقاء   (في وقفة عرفات 1445)    ..................................................................................... (إلى عرفات144 7)   في ذكراك العطرة • مَرّتْ سَنتانِ، والثالثُ يطلّ • على فراقكِ يا سيدتي وأميرةَ الكلّ • ولا زالتْ صورتُكِ بمكانِها بتجل(1) • وعيونٌ تجود بدمعِها دون مَلّ • وكأني بالأمسِ حَلّ أجلكِ أو يحلّ • نعم، لا رادَّ لحكمِ اللهِ الأجلّ • ولكن يبقى عبقُ ذكراكِ يجوبُ المحلّ *******   رؤيا الطمأنينة   • شوقٌ وحنينٌ يهدّئُ حزنيَ الدفينْ .على فراقك يا قرة العين و أم...

لــــــــــــغـــــــــــــــــة الـــــــــــــعيـــــــــــــــــون

لغة العيـــــــــــــــــــــــــــــــــون فن قراءة العيون من الفنون الشائعة التي يبرع فيها كل من ألِفَ معايشة الناس بمختلف انتماءاتهم، وميولاتهم، وثقافاتهم. وهي لا تحتاج إلى ذكاء كبير أو قوة ملاحظة خارقة، بل هي بمثابة تيار كهربائي يتيح قراءة الأفكار. ففي محادثاتنا اليومية، أول ما يثير الانتباه هو حركة العيون؛ وعليه تجدنا دومًا نردد في تعبيراتنا الدارجة: "فاش عينيك..."، "عينيك ما عجبونيش..."، "هادوك العينين ماشي جديين...". ونحن نرمز بـ "العين الحمراء" لدخول الأمور مرحلة الجِدّ والحسم. وهناك حركية العين بالنظر إلى الأسفل كدليل حياء، وإلى الأعلى كدليل على الحَيْرَة، أو النظر إلى اللامحدود كدليل على التيه والشرود. ومن كل ذلك، يمكن للرائي تَرْجَمَة موقف ومشاعر مخاطبه ونفسيته. إنها لغة تحاور بين العيون بديلة عن اللسان، لها مفرداتها وقواميسها الخاصة المعبرة عن الحب تارَة، وعن الكراهيَة تارَة أخرى، ثم الغضب أو الخوف، بل حتى الحزن والفرح. والعين يحكمها اللاشعور أحيانًا، فهي تترجم بدقة ما يحسه القلب من حزن وفرح؛ فالعين تدمع لفقدان عزيز مات، أو عند توديع ...

تعب كلها الحياة

  فلسفة الوجود في دالية أبي العلاء المعري " أعرف أن الكثير منا ستروقه هذه القصيدة، وقد يحتاج قراءتها إلى تأمل وصبر، لكن إعجابي بكل بيت من أبياتها يدفعني لنشرها؛ فكل بيت هنا هو قصيدة منفصلة، ورواية متكاملة المعاني، وفلسفة قائمة الذات... " القصيدة: غيرُ مُجْـدٍ في مِلَّتـي واعْتِقَـادي ... نُـوحُ بَـاكٍ ولا تَرَنُّـمُ شَـادِ  وشَبِيهٌ صَوْتُ النَّعِيِّ إِذَا قِيـسَ ... بِصَوْتِ البَشِيرِ في كُلِّ نَادِ  أَبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمَامَةُ أَمْ غَنَّـتْ ... عَلَى فَرْعِ غُصْنِهَا المَيَّادِ؟ [وقفة تأمل: أعظم ما قيل في فلسفة الموت والحياة والاستخفاف بالكبرياء] صَاحِ! هَذِي قُبُورُنَا تَمْلأُ الرُّحْبَ ... فَأَيْنَ القُبُورُ مِنْ عَهْدِ عَادِ؟  خَفِّفِ الوَطْءَ مَا أَظُنُّ أَدِيمَ الأَرْ ... ضِ إِلاَّ مِنْ هَذِهِ الأَجْسَادِ وَقَبِيحٌ بِنَا وَإِنْ قَدُمَ العَهْـدُ ... هَوَانُ الآبَاءِ والأَجْدَادِ  سِرْ إِنِ اسْتَطَعْتَ في الهَوَاءِ رُوَيْداً ... لاَ اخْتِيَالاً عَلَى رُفَاتِ العِبَادِ  رُبَّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْداً مِرَاراً ... ضَاحِكٍ مِنْ تَزَاحُمِ الأَضْدَادِ...