هكذا هي الأيام وهذه سنة الحياة
هكذا هي الأيام.. وهذه سنة الحياة.
تدوينة لمست عمق تجربتي الشخصية، واختصرت فصولاً عشتها حرفياً. بحكم طبيعة عملي، تعددت تنقلاتي بين المؤسسات، وفي كل مرة كنت أُغادر مكاناً، كان يتملكني وهمٌ غريب بأن العجلة ستتوقف بعد غيابي، لأكتشف بعدها أن المؤسسة تستمر بكفاءة عادية جداً وكأنني لم أكن هناك!
والأصعب من غياب الأثر المهني هو تلاشي العلاقات؛ فالأصدقاء والمعارف الذين كانوا يشتاقون لرؤيتي، نسوني عند أول محطة افترقت فيها الطرق. تذكرت هنا حكمة بليغة قالها لي رجل مسن ذات يوم: "الإدارة مرا.. دير بيها الخير لاتديرو فيها" (ومع كامل احترامي وتقديري لأخواتي النساء، فالمثل هنا مجرد تشبيه شعبي قديم لتقلب الأحوال وعدم ديمومتها)، وما أصدقها من حكمة! فالعمل متقلب لا أمان له، وعلينا أن نعمل بضمير ونترك أثراً طيباً، لكن دون أن نرهن قلوبنا وحياتنا في وفاء الكراسي أو العلاقات العابرة المرتبطة بالمكان.
الثروة الحقيقية هي تلك القلوب القليلة التي تظل تسأل عنك دون مصلحة أو اضطرار، بعيداً عن المكاتب والمناصب.
أترككم مع هذه السطور العميقة التي تصف هذا الواقع بدقة مع الشكر الجزيل لصاحب التدوينة، واعتداري الشديد ان كانت كلماته اعجبتني فنسختها في مدونتي 👇:
حين نغادر مكان العمل… من يبقى معنا؟
قد تقضي في عملك عشرين أو ثلاثين أو حتى أربعين سنة، تدخل كل صباح من الباب نفسه، وتلتقي الوجوه نفسها، وتتبادل التحية والابتسامة والحديث، وتشترك مع زملائك في الأفراح والأحزان، وفي لحظات النجاح والإخفاق، حتى يخيل إليك أن هذه العلاقات سترافقك إلى آخر العمر.
ثم يأتي يوم الرحيل.
تقاعد، أو انتقال، أو استقالة، أو تغيير في ظروف الحياة… فتغادر المكان الذي جمعكم، وتبدأ الأيام في كشف حقيقة بسيطة قد تكون مؤلمة في البداية: ليس كل من كان قريبًا منك في مكان العمل سيبقى قريبًا منك بعد مغادرته.
وقد تتساءل: أين اختفى أولئك الذين كنت أراهم كل يوم؟ أين الأحاديث الطويلة، وفناجين القهوة، والمزاح، والسؤال عن الأحوال؟ لماذا أصبح الهاتف صامتًا، ولماذا صارت اللقاءات التي كانت يومية مجرد صدفة عابرة؟
لكن قبل أن نصف الآخرين بالجحود أو النكران، علينا أن نفهم طبيعة العلاقات الإنسانية.
فزملاء العمل ليسوا بالضرورة أصدقاء بالمعنى العميق للكلمة. إنهم، في كثير من الأحيان، أشخاص جمعتنا بهم مؤسسة واحدة، أو مكتب واحد، أو مدرسة، أو إدارة، أو مصلحة، أو مهنة، وجعلتنا ظروف العمل نلتقي يوميًا ونتقاسم جزءًا كبيرًا من حياتنا.
وحين ينتهي الظرف المشترك، تختفي تلقائيًا كثير من أسباب اللقاء.
ليس لأن الجميع سيئون، ولا لأن كل المودة التي كانت بيننا كاذبة، وإنما لأن بعض العلاقات كانت مرتبطة بالمكان أكثر من ارتباطها بالأشخاص.
وهنا تكمن إحدى دروس الحياة التي لا نفهمها جيدًا إلا عندما نغادر.
فالإنسان قد يكون محبوبًا ومحترمًا داخل مؤسسته، وقد يحيط به عشرات الزملاء، لكنه حين يرحل يكتشف أن عددًا قليلاً فقط سيحمل هاتفه ليسأل عنه دون مناسبة، وأن أقل منهم سيزوره، وأن شخصًا أو شخصين ربما يظلان قريبين منه بعد مرور السنوات.
وهؤلاء هم الثروة الحقيقية.
فالصداقة لا يقيسها عدد من كانوا يحيطون بك حين كنت حاضرًا، بل عدد الذين ظلوا إلى جانبك بعدما لم يعد هناك مكان يجبركم على اللقاء.
الصديق الحقيقي هو من يبحث عنك حين تغيب، ويسأل عنك حين تمرض، ويفرح لسماع صوتك، ولا يحتاج إلى مكتب مشترك أو اجتماع أو مصلحة حتى يتذكرك.
ولهذا، لا ينبغي للإنسان أن يبني قيمته على منصبه أو مكتبه أو عدد الأشخاص الذين يحيطون به في مقر عمله.
فالكرسي سيأتي يوم ويجلس عليه شخص آخر.
والمكتب سيحمل اسمًا آخر.
والهاتف المهني سيتوقف عن الرنين.
والمؤسسة التي اعتادت حضورك ستواصل عملها بعدك كما كانت تعمل قبلك.
وهذه ليست قسوة، بل هي سنة الحياة.
المشكلة تبدأ حين نمنح العمل كل حياتنا، ونؤجل الأسرة والأصدقاء والعلاقات الإنسانية الحقيقية، معتقدين أن الزملاء الذين نراهم يوميًا سيظلون معنا دائمًا.
تعليقات