حين تضيق المحافل


من كبرياء الرحيل إلى وعثاء الطريق وصولاً إلى غصة الندم والحنين
حينَ تَضِيقُ المَحَافِلُ
يحسُّ الفتى أنه غيرُ مرحبٍ به في بلدةٍ، فينشدُ الرحيلَ إلى ظلالٍ أوسعَ رحابةً وأجملَ. يغادرُ الأرضَ التي ضاقتْ بروحِهِ ليلحقَ بأفقٍ أرحبَ وأشملَ، متمثلاً قولَ الشاعرِ في أولِ المُنْهَلْ:
مَا فَاتَ مَاتَ، فَدَعْ عِتَابَكَ وَارْحَلِ
وَارْفَعْ جَبِينَكَ فِي الفَضَاءِ الأَجْمَلِ
مَا فَاتَ مِنْ عُمُرٍ أَقَمْتَ بِرَبْعِهِمْ
تَرْجُو الوِدَادَ، فَمَا جَنَيْتَ سِوَى القِلَى
يمضي والأسى في صدرِهِ يَعْصِفُ ويَشْتَعِلْ، يلتفتُ التفاتةً أخيرةً لربوعٍ كان فيها يوماً يرتجلْ، بعد أن رأى ملامحَ الجفاءِ في عيونِ أهلِها تكتملْ:
خَطَوَاتُكَ الأُولَى بِسَاحَتِهِمْ غَدَتْ
حِمْلاً ثَقِيلاً فَوْقَ صَدْرِ المَحْفِلِ
أَحْسَسْتَ أَنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ حِينَمَا
صَمَتُوا، وَلَمْ تَظْفَرْ بِعَالِي المَنْزِلِ
لكنهُ يُسْرِجُ خَيْلَ الإِبَاءِ دُونَ وَجَلْ، وَيَمْسَحُ بِيَمِينِ الكِبْرِيَاءِ مَا فِي عُيُونِهِ مِنْ بَلَلْ، مُوقِناً أَنَّ بَقَاءَ الحُرِّ فِي دَارِ الهَوَانِ هُوَ المَقْتَلْ، وَأَنَّ عِزَّةَ النَّفْسِ فَوْقَ الرَّغَائِبِ وَالأَمَلْ:
وَعَزِيزُ نَفْسٍ لَا يُقِيمُ بِبَلْدَةٍ
أَهْلُ المَجَالِسِ فِيهِ لَمْ تَتَقَبَّلِ
فَارْحَلْ بِقَلْبِكَ، فَالْمَجَالُ مُهَيَّأٌ
لِمَنِ امْتَطَى عَزْمَ النَّجِيبِ المُقْبِلِ
...وَاصْنَعْ لِنَفْسِكَ فِي المَدَارِ مَكَانَةً
تَدَعُ العِدَا تَبْكِي بِدَمْعٍ مُعْوِلِ
وَفِي صُبْحٍ جَمِيلٍ أَشْرَقَتْ شَمْسُ الأَمَلْ، لِتُعْلِنَ أَنَّ فِي قَلْبِ الفَتَى فَجْراً يَرْفُضُ الأُفُولَ وَالوَجَلْ، وَتَكْشِفَ لَهُ عَنْ مَمَرٍّ إِلَى النَّجَاحِ لَيْسَ بِالمُسْتَحِيلِ. صَرَخَ فِي المَدَى مُنَادِياً: "يَا صَاحِ أَبْشِرْ وَالْحَقْ بِي، بَلِ الْحَقِ الرَّكْبَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَفِيَ، وَلا تَتْرُكْنِي فِي الوَحْدَةِ أَتَعَثَّر!"
نِدَاءٌ يُمَزِّقُ صَمْتَ الفَيَافِي لِيَتَرَدَّدَ صَدَاهُ فِي الأُفُقِ الأَكْبَرِ؛ فَمَنْ يَرْكَبُ سَفِينَ الطَّمُوحِ لا يَخْشَى مَوْجاً يُكْسَرُ، وَنَبْنِي مَعاً عَلَى مَشَارِفِ الفَجْرِ مَجْداً لا يَتَدَثَّرُ:
خُذْ لِلْمَعَالِي خُطْوَتَكَ الجَسُورَهْ
وَدَعِ الأَمَانِي فِي الحََيَاةِ المَسْتُورَهْ
سَنَمْضِي مَعاً، نَبْنِي الرَّجَاءَ سَوِيَّةً
وَنَكْتُبُ فِي الأُفُقِ الرَّحِيبِ سُورَهْ
بَعْدَ مُدَّةِ إِقَامَةٍ فِي الرَّبْعِ، تَوَجَّسْنَا الغُرْبَةَ فِي مَقَامَةِ، وَدِدْنَا لَوْ عُدْنَا الدِّيَارَ بِالسَّلَامَةِ، لا ارْتَحْنَا هُنَاكَ وَلا سَعِدْنَا هُنَا، لَيْتَ بَيْدَاءَ دُونَنَا وَالقِيَامَةَ!
يَا لَهَا مِنْ غُصَّةٍ تَخْنُقُ الأَنْفاسَ، وَخَيْبَةٍ تُعيدُ تَرْتِيبَ مَشَاعِرِ النَّاسِ! وَقَفْنَا فِي رُبُوعِ الِاغْتِرَابِ نَرْقُبُ سَرَاباً غَرَّنَا بَرِيقُهُ، فَمَا جَنَيْنَا إِلَّا شَجناً تَعَسَّرَ فِي الحَلْقِ طَرِيقُهُ، بَعْدَ أَنْ أَدْرَكْنَا أَنَّ الغُرْبَةَ فِي المَنَافِي تَكْسِرُ الهِمَمَ الكَبِيرَةَ:
طُفْنَا البِلَادَ فَمَا رَأَيْنَا مَوْطِناً
يَشْفِي الجِرَاحَ وَيَسْتَحِثُّ مَقَامَا
نَشْتَاقُ رَبْعاً قَدْ نَأَتْ جُدْرَانُهُ
وَنَوَدُّ لَوْ عُدْنَا الدِّيَارَ سَلَامَا
لَا الرُّوحُ ارْتَاحَتْ فِي المَهَاجِرِ وَنَالَتْ مُبْتَغَاهَا، وَلَا النَّفْسُ سَعِدَتْ فِي رُبُوعٍ أَنْكَرَتْ خُطَاهَا. سَنَمْضِي نَجْرُّ ذُيُولَ الحَنِينِ العَاصِفِ، وَنَحْمِلُ فِي قُلُوبِنَا عِبْرَةَ المُرْتَحِلِ الآسِفِ، عَسَى أَنْ تَحْتَضِنَنَا الدِّيَارُ القَدِيمَةُ بِعَفْوِهَا، وَتَغْسِلَ عَنْ جَبِينِنا وَعْثَاءَ هَذَا الزَّمَانِ الجَاحِفِ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لعنـــة الجوع

توطئــــــــــــــــــــــــــة

أمثال مغربية من قاع الخابية: